بعض دراسات الاعتزال البعيدة عن جمهور الناس. لكن الحرورية المعاصرين وإخوانهم من قبل، قد تشابها في الصفات الطبعية الشخصية المُعوجّة بلا شك، وإن لم يشتركوا في الصفات الخُلقيّة.
وقد ولّد الصراع الذي استمر في بلاد الإسلام لقرون من التدهور، تسارعت خطاه بنفس معدل تسارع التقدم الغربيّ في مجال التقنية. بل كان ذلك من الآثار الجانبية لهذا التدهور من حيث التعجيل بهدم البيئة الحاضنة السويّة، نقول ولّد هذا الصراع ضغطًا نفسيًا وخلقيًا أدى إلتغلغل الإجرام في نفوس أولئك الذين اتصفوا به ابتداءً، وتجد غالبهم ممن هم من بيئات متدنية، وعائلات مغمورة، حيث يكثر الاختلاط في الشوارع وتعتمد التربية على البيئة أكثر من توجيه الوالدين.
وهذا النظر يؤدى بنا إلى فهم تلك الدموية الضالعة في نفوس الحرورية المعاصرة، من حيث هي مظهر من مظاهر انعكاس الشخصية الأصلية المجرمة في تلك العناصر بذاتها، وانعكاس بيئتها التي امتصت منها تلك العناصر أسوأ ما فيها على الإطلاق، وانعكاس الهوان والاحساس بالضعف، وعدم إدراك عزة الإسلام في ذاته ولو تحت وطأة الهزيمة، لِما ارتكز في نفوسهم من إنه لابد من القوة الظاهرة التي تقطر شفراتها بالدم، ليكون الإسلام عزيزًا، مما قدمته لهذه العصبة من البشر مبادئ الحرورية، ودموية البعصية من خلفية أيديولوجية تعين على تغطية أي تسرب لصوت ضمير أو خلق أو بزوغ لأي أثرٍ من فطرة الله التي فطر الناس عليها أصلًا، قبل أن يمحقوها في ذواتهم.
ومن هنا تراهم يقتلون المسلم الذي يرفع سبابته بالتوحيد، وينكرون على مسلمٍ أن يصلى قبل نحره، ويفخخون المسلمين بلا تورع عن قتل الأبرياء. كلها مظاهر إجرام عاتٍ لا يمت لدينٍ ولا إسلام. بل الدين والإسلام، بل والحرورية ذاتها، غطاء لنفوس تشوهت تشوّها وراء الإصلاح. ومن هنا جاء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم"فأينما وجدتموهم فاقتلوهم". فإن مثل هؤلاء ليست مشكلتهم مشكلة جدل أو مناظرة أو عقل، بل هي مشكلة نفس مريضة مجرمة إجرامًا عاتيًا لا علاج منه.
وقد يقول قائل، لكن تكالب ما وصَفْتَ من بيئة وهوان وكدمات خِلقية وخُلقية وانحرافات فطرة متأخرة، هي كلها من دواعي عذرهم على فعالهم، فهم"مجبورون"على هذا بفعل تلك العوامل؟ قلنا لا"جبر في الإسلام"بل هو الاختيار الحرّ الطليق تحت مظلة المشيئة الكونية"فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"،"إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا". فانحراف الفطر من عمل بني آدم، وهؤلاء قد جاوز إجرامهم كلّ حدّ، حتى أصبحوا لا يمثلون إلا عصابة قتلة تطيح في الأرض باسم دين هو منهم براء. وصاروا عائقًا منيعًا ضد العامل الرئيس الذي وجه انحرافهم وهو القضاء على النظام، فأصبحوا يدًا له لا عليه، ولم لا، وقد وافقت المشارب المشارب، في الإجرام وقتل الآنام.
د طارق عبد الحليم
5 رجب 1436 - 23 أبريل 2015