فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 721

كما أدرك المحققون أنّ هناك قدرٌ من تلك الأمانة يجب أن يتم وأن يُنسج غزله وينبت أصله قبل أن تتوفر أيّة إمكانية حقيقية لتحقيق الهدف وإدراك مقصد الشارع من الخلافة، ثم يكون تمددها وتوسعها في بقية أرض المسلمين أمرٌ مقبولٌ عقلًا مُحتملٌ واقعًا.

من هنا، من هذا المنطلق، جاءت أهمية الجهاد الشاميّ ضد النصيرية. فالشعب السوري كان في حالة من الغضب والمرارة ما حمله على تقديم كثيرٍ من أبنائه للحركة الجهادية ضد بشار، وللمقاومة بشكلٍ عام.

وقد كان الجهاد وقتها بقيادة جبهة النصرة، وأحرار الشام وعدد من الفصائل الأخرى، إن تركنا جانبًا المقاومة التي لم تعلن الإنتماء للنهج الإسلامي ابتداء، وإن كان لها أثر في الحركة ضد بشار بوجه عام. وكانت العوامل التي المطلوبة للوصول إلى موقف يمكن أن يكون بداية لسلسلة إجراءات محسوبة تصل بالمسلمين إلى دمشق، خاصة مع الشعبية الهائلة لجبهة النصرة، وبقية الفصائل، وكره العالم كله، ولو ظاهرًا لبشار. فإن وصل المسلمون إلى دمشق، كانت لهم مركزية ووجود تمكين، في عاصمة الخلافة الأموية، يجعل أمر التفاوض مع القوى العالميةن التي لا ينكر ودودها إلى أحمق أو جاهل أو مكير عميل.

ماذا حدث من وقتها؟ عرف الغرب أنّ نصرة النصرة في الشام سينشأ عنها ما وصفنا. فإن للغرب مراكز أبحاث في غاية التخصص، منها راند المعروف، ومركز أبحاث وست بوينت، وغيرها كثير. فكان لابد أن يُطوّر خطة للتدخل غير المباشر، باستعمال قوى محلية، بعد أن أصبح من الصعب التدخل المباشر بعد ما حدث بالعراق.

استبقت القوى العالمية الأحداث، واستغلت وجود رجلٍ لا ضمير له ولا خلق، سقطٌ في الوسط العلميّ، مشبوه مجهول في الوسط الجهادي آنذاك، طموح بلا نهاية، محب للنفس بلا حدود، اسمه إبراهيم بن عواد السامرائي. فكان أنّ صقلته في سجنه شهورًا، ومهدت له سبل التواصل مع البعث، لا بطريق مباشر، بل بأن تركت له الفرصة متاحة والطريق ممهد، وهي طريقة الغرب في التعامل مع الكثير من العملاء.

اخترق ابن عواد صفوف دولة العراق الإسلامية، وتمكن من الصعود إلى قمة السلم القيادي بعد أبي عمر البغدادي، بمعونة البعثيين، ولا نستبعد تآمره مع البعثيين لقتل أبي عمر وأبي حمزة رحمهما الله. وتم تأييد اختياره من أمراء القاعدة، وهي من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها قيادة القاعدة آنذاك.

ثم جاء وقت حرق النصرة، وبقية الفصائل في الشام. وتواكب ذلك مع هدف البعث العواديّ من أن يجد لنفسه قدمًا في الشام، كملاذ آمن من العراق، وكمصدر للثروة والسلطة معا. ولم يكن يعنى البعث العوادي قتل أي من المجاهدين السوريين، إذ قيادته بعثية عراقية لا يمكن أن تواجه أهل العراق بمثل هذه البشاعة في القتل والاغتيال. وأمر هذه العنصرية في غاية الوضح، ومن تجاهلها أو قلل من حقيقتها، لم يقرأ الأحداث بكشل صحيح، ومن أنطر علينا إعلانها فسيرجع اليه عقله بعد حين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت