القاعدة أنّ هذه الطائفة حرورية، لزمه أن يدعو إلى التعامل معها بما هو لازم من هذا التوصيف أولًا، ثم انقلاب الكثير من السلاح ضدهم بدلاّ من التصدي للعدوان العالمي على المسلمين في الشام، ثانيًا.
ولابد أن نسجل هنا أن الشيخ الحكيم في موقف لا يسعه فيه ما يسع شيوخ الدعوة غيره [1] ، فهو قائد وأمير جماعة كبيرة، لها فروعها الممتدة في كلّ أنحاء العالم الإسلامي، كلمته تحمل معها صدى لا تحمله كلمات غيره كائنا من كان. وهو لا يريد، بأي حال من الأحوال، أن تنقلب الحرب داخلية بين فصائل وإن كان منها حرورية ضالة، لهذا الظرف العصيب الذي تمر به الأمة، والذي لم تمر به من قبل من أيام سقوط الخلافة. فالأمة على وشك الانهيار أمام تلك الضربات العاتية، وقد تمّ تخريب الدهماء في كل البلدان الإسلامية، ولم يبق إلا تلك الشرذمة القليلون الغائظون للكافرين. وتجميعهم في الساحة الشامية، خاصة المهاجرين منهم، مصيدة كبرى تم التدبير لها بليل.
وهذا المنظور ليس فيه أي تناقض داخليّ، فإن القائلين به لم يتفوهوا بكلمة تنقض كلمة أخرى، أو جملة تعارض أخرى، بل لم يتموا القول بالتوصيف. وعدم القول ليس قولًا بالعدم.
والشيخ الحكيم ينظر، فيما يراه، إلى المصلحة الأكبر التي تعود على الأمة من أي لفظ يلفظ، لا كمجرمي العوادية، الذين لا يرون إلا مصالحهم، جهلا وعدوانًا، فينطقون بكل خبث ودمار دون مسؤولية.
2.المنظور الثاني، وهو الذي ننطلق منه شخصيًا، وهو متفق مع المنظور الأول في كافة جزئياته، إلا ما اختص بالتقييم النهائي للموقف عامة، وهو أين تقع المصلحة الكبرى للأمة؟ فإننا، بعد أن اكتمل يقيننا بتوصيف التنظيم الحروري البعثي، ثم رأينا أفعالهم على الأرض، وعرفنا مدى أثرهم المدمر على الجهود القائمة من بقية المجاهدين، واقتنعنا اقتناعا كاملًا بأن لا هدنة تصلح مع هؤلاء، من حيث خيانتهم للعهد، وأصل عقيدتهم الحرورية المتطرفة، فقد خرجنا بنتيجة أنّ هؤلاء لا يصلح معهم إلا سيف عليّ رضى الله عنه، وحزم عمر رضى الله عنه، وشجاعة خالد رضي الله عنه. لن يقف هؤلاء المجرمون حتى يشتتوا شمل الحركة الجهادية أولًا بدعوى الجماعة الواحدة، أو لا جهاد.
ونحن نعلم أنّ مواقف عدد من الجماعات الأخرى، على رأسها قيادات الجيش الحرّ، تعمل خارج إطار الشريعة بالكامل، وتتواصل مع القوى العالمية لتتولى الحكم بعد بشار، وينضح خطابها بهذا المعنى، جليًا بيّنا في قبول دولة علمانية ديموقراطية، وهو ما يدفع الكثير من الشباب إلى أحضان الغلو الحروري حين يرى خيانة الله ورسوله في الطرف الآخر. وهذا الأثر المدمر، يعين على بناء جبهة موازية معادية، مثلها مثل جبهة الحرورية، من حيث إنها علمانية على نهج قوميّ، سينتج عنه مذابح لاحقًا، خاصة للمهاجرين في ذلك البلد.
لكننا، فيما نرى، أن خطر الحرورية أشدّ وأنكى، من حيث تعاونهم مع النظام النصيري في تدمير المكاسب على الأرض، من حيث يرون أن وجودها في يد النصيرية أهون عليهم من تحريرها بيد المجاهدين. فالمجاهدون هم
(1) ومن هنا لا نرى مبررا لامتناع الشيخ المقدسي عن التصريح بحرورية هؤلاء، خاصة والتبريرات التي ذكرها لا تنطلق من هذا المنظور!