والخطر الحقيقيّ من هؤلاء المارقة ليس على الأرض، فهم مهزومون مندحرون لا محالة، حيث بدأ العدّ التنازلي لوجودهم كجماعة متماسكة، بعد الدكّ الروسي الفرنسي. وبعد أن انتبهت الفصائل إلى خطرهم وضلالهم وخداعهم، فبدؤوا في قتالهم وتحرير مناطق سيطرتهم.
لكن المواجهة الحقيقية مع الحرورية، لن تنتهي بانتهاء وجودها كجماعة، كما استمر الفكر الحروري فترة بعد مصطفي شكري، حيث فرّ حاملوه إلى اليمن ونشروه ما استطاعوا وقتها. فإن البدع فكر منحف، والفكر لا يموت بموت أصحابه، صحيحا أو منحرفًا. الفرق هو أن حياة الفكر المنحرف تكون قصيرة وضعيفة. ومن هنا وجب مهاجمتها في أوان ضعف قاعدتها على الأرض.
فكر التكفير بالعمومات، والتسور على الإفتاء، وتحقير العلماء، والغضّ من قيمة العلم، وتخريب معنى العلم والعالِم، والتواء بعارض الجهل في العقائد وخلطه مع الجهل في المعاملات والعبادات، كله فكرٌ يجب العمل على القضاء عليه وبيان خطئه علميًا.
كذلك من الواجب أن يقوم من له دراية بالسياسة الشرعية والعالمية أن يبيّن ما يحدث على المسرح العالمي، ويربط الأحداث ببعضها، لتكون ذات معنى متناسق وهدف واضح، فالسياسة العالمية ليست عشوائة كما يظن ضعاف العقول.
ومثال ذلك، ماذا يعنى أن أمريكا، رغم قدرتها على محو تنظيم العوادية في أيام، كما صرّح الكلب العبد أوباما منذ أيام، بعدما ظل كل تلك الفترة يتحدث عن قوة التنظيم وأنه يحتاج إلى ثلاث سنوات على الأقل للقضاء عليه، وما معنى أن الطيران الأمريكيّ لم يضرب أهدافًا حقيقية في الرقة وغيرها، كما فعل الروس والفرنسيين، رغم تطوره الأسبق في تكنولوجيا التجسس من الجو؟ أسئلة إجابتها تتسق مع الوضع السياسي على الأرض، وهو أنّ أمريكا أرادت إبقاء داعش لعدة أسباب، منها إعانتها على قتل المجاهدين وتفكيك القاعدة وهدم التنظيمات وتشتيت الألوية، كما صرح خائنهم الأكبر، ربيب أوباما، طه حمام. ومنها ضمان التقسيم وحصر بشار والنصيرية ومن ورائهم الروافض المجوس في مناطق محددة. فكان تصرفها، حتى ضربات باريس، كتقليم أظافر منها لإزالة أو حسم. مثل هذا التحليل هو ما يحتاج الشباب ممن لديه القدرة على الربط بين السياسي والعسكريّ.
والعدو الأكبر في مواجهة الفكر الحروري يكمن في أنّ الأقوال التي تلوثت بها، قد تشربتها على جهل تام بغيرها، فكانت لها كالحبيب الأّول! لا تنساه، وإن كان شيطانًا.
الواجب اليوم على علماء الأمة ومشايخها أن يركزوا جهودهم على أمرين، أولهما توجيه الفصائل كلها إلى التركيز على قتال الحرورية أولًا، وإخراجهم من مناطق سيطرتهم لتكون مناطق سنة حين يحين حين سقوط بشار، وأن يبدؤوا في حملات توعية واسعة الأفق، لا في مهاجمة أفعال العوادية، بل في كشف موارد انحرافهم ومواطن اختلال منهجهم، فضحا لهم وتثبيتا لشباب السنة في آن واحد.
د طارق عبد الحليم 23 نوفمبر 2015 - 11 صفر 1437