وقبل ان أبدأ في مراجعتي لمذهب الشيخ الحازميّ، أود إلى أن أشير أنه لا يصح أن يزايد علينا أحدٌ من طلبة العلم أو من العلماء، بله العامة، في هذه المسألة المعروفة في موضوع العذر بالجهل، إذ كتبنا فيها [1] ما اشتهر قبل أن يشب الشيخ الحازمي عن الطوق. وقد بيّنا فيها أصولا متعددة، كثيرا منها وافق ما وصل اليه الحازميّ، كما سأبين، ولكننا اقتصرنا على ما دلّ الدليل الشرعي عليه، ولم نتوسع في تكفير من لم يكن لنا عليه برهان كالشمس الساطعة في رائعة النهار.
ولن ألجأ إلى تكرار ما ذكر الحازمي حرفا بحرف، إذ ليس للرجل مدوّنات مكتوبة يمكن الرجوع اليها في هذا الموضوع، أو على الأقل لم أجدها، بل كلها تسجيلات صوتية يعلم الله صعوبة استخلاص نقاط القوة والضعف منها لمن أراد ردًا عليها. فهي سهلة على المتعلم، صعبةٌ على الباحث.
فقد تناولت في كتابي موضوع الإعذار بالجهل، وبيّنت أن إطلاق لفظ الإعذار بالجهل هو إطلاقٌ مبهم يجب بيانه بموضوع الجهل المقصود، فالجهل بأصل الدين، غير الجهل بمواضع الإجماع أو المتواتر، أو الجهل بأصول الشريعة وغير ذلك مما يجب التفريق فيه.
ولمّا كان من الأهم أن أبيّن مذهبي الذي أدين به، ليتميّز الفرق بيني وبين من أخالف، فسأوضح، بشكلٍ سريع، خلاصة هذا المذهب ومحصلته، وما ينبغي أن يبنى عليه القارئ من الفارق بيننا. ولن أضع أدلة من قرآن أو سنة، أو أقوال أئمة، إذ كلها منثور كساطع البدور في كتابنا المذكور. فلا داعٍ للإطالة والتكرار بغير حاجة.
وقد وصلت إلى النتيجة التي رأيت صحتها بالدليل الشرعيّ والتي رأيت كثيرًا من كلام الأئمة يدل عليها، قلت:
"وخلاصة الأمر:"
* إن تكفير المعين ابتداء إنما يكون في أمور التوحيد أي أصل الدين. لأن أحكام الدنيا تجري على ظاهر الأمر، فكل من تلبّس بكفر أكبر ينقل عن الملة فهو كافر بعينه في ظاهر أمره. فإذا ما توقف البعض عن إطلاق اسم الكفر عليه، فلاعتبارات واقعية معينة أملتها ضرورات الظروف المحيطة بالدعوة في مراحل خاصة؛ وليس كموقف فقهي يعتقده الداعية ويتبناه؛ وإلا فهو يعطل حدود الله ويخالف حكمه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
* إن التوقف عن تكفير المعين ابتداء إنما يكون في الأمور التي يلزم فيها شيوع العلم بأحكام الرسالة المحمدية، فلا يصح إلا بعد إقامة الحجة - في حالة عدم وجود مظنة العلم - فإن أنكر بعد ذلك كفر بعينه.
* إن التوقف عن تكفير المعين مطلقًا؛ والقول بأن جنس من فعل كذا فهو كافر ولكن المعين إن فعله فلا نستطيع تكفيره، ما هو إلا لغو لا معنى له وإبطال للأحكام الشرعية، وبدعة مخالفة لهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجماع الصحابة والتابعين وعلماء الأمة" [2] ."
ويظهر من هذا النص، الذي دونته عام 1398 هـ، أنني أقول بكفر الجاهل بأصل الدين، وهو ما يتعلق بصرف العبادة المحضة إلى غير الله سبحانه، بشكلٍ واضح صريح لا شك فيه، كدعاء العبادة والطلب، وموالاة الكفار، نصرة ومظاهرة، والتحاكم إلى
(1) "الجواب المفيد في حكم جاهل التوحيد"كبعة المدني 1978 - 1398، وطبعات متعددة أخرى منها طبعة مكتبة الطرفين بالطائف، والتي قدّم لها العلامة بن باز رحمه الله، في مجموعة عقائد الموحّدين، وآخرها طبعة دار ريم بمصر عام 2012 - 1433
(2) المصدر السابق ص 93.