فهرس الكتاب

الصفحة 642 من 721

28)أما عن مسألة أن العوام لهم، بل يجب عليهم، الحكم بالتكفير في هذه الأمور الشّركية، فهذه طامّة كبرى وضلالة عظمى تؤدى إلى هرجٍ عظيم وبلاء مقيم. فإنه قد أجمع العلماء على أنه ليس للعاميّ أن يفتى غيره ولو في الاستنجاء من الخراءة بلا علم [1] ، فهل تكون نجاسة دُبر أحدهم أهمّ من إعلانه كفر معيّن، وما يترتب على ذلك من تصرفات تقع بين الناس، من عدم صلاة خلفه، ومنع دفنه في مقابر المسلمين، وعدم صحة إرثه ومنع زواجه من المسلمات، وغير ذلك؟ أيكون هذا منطقًا صوابًا؟ ووالله لو لم يكن منع هذا إلا من باب سدّ الذريعة إلى هذا الهرج، أو درء مفسدته لكفى به دليلًا. وقد أمر الله سبحانه كلّ من ليس لديه أداة العلم لمعرفة حكمٍ شرعي أن يرجع إلى من عنده الأداة قال تعالى في موضعين من كتابه الحكيم"فَسَْئلُوا? أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"الأنبياء 17&النحل 43. قال الإمام السعديّ"وعموم هذه الآية فيها مدح أهل العلم، وأن أعلى أنواعه العلم بكتاب الله المنزل. فإن الله أمر من لا يعلم بالرجوع إليهم في جميع الحوادث، وفي ضمنه تعديل لأهل العلم وتزكية لهم حيث أمر بسؤالهم، وأن بذلك يخرج الجاهل من التبعة"تفسير السعديّ، أي تبعة الاجتهاد بنفسه.

29)وما على العاميّ إلا أنْ ينكر هذا الفعل، ويردّه ويوضح لمن يراه واقع في عمل شركي، وأنّ هذا شرك مناقض للإسلام. أمّا أن يقرر ما إذا كانت هذه الصورة حقًا من الشرك الأكبر، وأن هذا الفاعل بشحمه ولحمه كافر مرتد يجوز قتله حالا لا مآلا، دون أن يعرف إن وُجد مانع أو تخلف شرط أو خلاف ذلك، خاصة عند من يقول بضرورة التأكد من تحقق الشروط وانتفاء الموانع كما صرح بن تيمية بذلك، فإنّ ذلك لا يصح على وجه الإطلاق.

30)وقد وردت بعض ردود على هذا البحث، منها ما هوسبٌ وقذف، وهو ما نوكل أمر قائليه من الأصاغر إلى الله، ومنها ما هو محاولات ممن هو جديد في مضمار العلم، وممن تكلم قبل أن يتعلم. لكن لم أرى في أيّها ما يحمل على رفع القلم، إلا تعليقًا ورد عن تكفير الإمام أحمد لمن قال بخلق القرآن وتكفير من لم يكفره. وهذا قولٌ مردود عليه. فأولًا لم يسمع أحدٌ أنّ أحمد قد كفر المأمون ولا الواثق ولا المعتصم، ولا حتى أحمد بن أبي دؤواد، لا قبل المحنة ولا بعدها، بل ثبت عنه هذا القول العام لاغير. ثم ثانيًا، فإن مسألة خلق القرآن أصلًا كانت مما يُمتحن بها العلماء لا العوام الجهلة، وهم ممن بلغتهم الحجة وهم على علم بها. وثالثًا فإن تكفير القائل بخلق القرآن يعنى إنكار علم الله الأزليّ، وهذا القول، من عالمٍ يعلم الحجة، كفر لا شك فيه، وليس للعاميّ دخلٌ بهذا. وهذا غير الموضع الذي نتحدث فيه بالكلية، فالاستشهاد به ساقط.

31)وأخيرًا، فإني أبرأ الله من الهوى والتعصب، فوالله قد دوّنت في ذمّهما كتابًا كاملًا [2] ، ولا يُفلح صاحبهما في الدنيا ولا في الآخرة. وقد كتبت هذا المبحث لبيان أنّ القول بتكفير العاذر بإطلاق في مسألة العذر بالجهل كافر، كما ورد في حديث بعض الفضلاء، خطأ وتأوّل على الله وغلوٌ وخروج عن حدّ الإنصاف، وعلى قول جماهير علماء السلف، ومن تبعهم بإحسانٍ من الخلف، وأنّ إطلاق الأمر للعامة في التكفير، هو خطرٌ من أكبر المخاطر على الأمة، خاصة إن كانت مناطاته في مواطن اقتتال بين المسلمين، كما هو في الشام اليوم.

(1) ونرى إنه من العبث نقل أدلة ذلك فهو من المعلوم الثابت عند أقل الناس علمًا، وهذا الإطناب البارد في كثرة النقول، إلا ما يكفي لإثبات المقصود إن لزم، هو مظهرٌ من مظاهر طريقة متكلمي السلفية السعودية، سرورييها وإخوانها ومتطرفيها جميعًا. وقد أثر هذا بشكلٍ عظيم على ذوق العامة من المسلمين، فالعالم عند هؤلاء هو من وضع في كلامه عددا من النقول أكثر من غيره، والله المستعان، وهذا لعدم استقامة الفهم وانحراف الفطرة.

(2) "مقدمة في أسباب اختلاف المسلمين وتفرقهم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت