فهرس الكتاب

الصفحة 679 من 721

ناقشنا مسألة البيعة من قبل في دراستنا المطولة عن"قيام دولة الإسلام" [1] . وباختصار لائق بالموضع، فإن البيعات هي نوع من العقود بين المُبايِع والمُبايَع، وهي ثلاث أنواع، بيعة الإسلام، والبيعة العظمى أو بيعة الإمامة، وبيعات خاصة، على الجهاد أو السفر أو غيرها. ولكل منها حدود وشروط، ولنقضها حدود وشروط.

والبيعة الوحيدة التي لا يجوز نقضها في أي حال، والتي هي قمة باب العبادات، هي بيعة الإسلام، بيعة لا إله إلا الله، إذ نقضها كفر بذاته، ونقضها متوجّه لله لا لمن أعطاها. ثم بيعة الإمامة، فهذه أقل صعوبة في نقضها، إذ هي عقد اجتماعيّ يقوم عليه استقرار المجتمع فهي في باب المعاملات لا العبادات، وهو ما يجب أن يستقر في عقول المعنيين بهذا الأمر، إذ فرق بين الحرام وبين أعمال الردة، فكل أعمال الردة حرام، لكن ليس كل محرم ردة. وهذه البيعة واجبة على من تحصّل له التمكين بشروطه، لا لكل من طلبها، وزعم حدوث التمكين لنفسه. فمن ثم، فإن هذه البيعة ترتبط بشروط يجب تحققها كاملة وموانع يجب تجاوزها كاملة حتى تكون ملزمة للمبايِع. فإن تحقق التمكين بشروطه [2] ، يحرم الخروج عليها، إلا إن تقوض أحد أركانها أو إن تغيب أحد شروطها التي لا تصح إلا بها، ككفر الإمام أو بدعته أوإفساده الخارج عن المعتاد مثلًا، مع القدرة على الخروج، أو سأل إحلاله من البيعة ورضي أميره بذلك. فإن خرج عليها من خرج دون ذلك فقد ارتكب حراما لا مكفرًا.

وفي ضوء هذا النظر، يتحصل أنّ بيعة السامرائي لازمة في عنقه إلى يوم يلاقى ربه. وأن بيعة الجولاني له، واجبة الخلع، من حيث أظهر ذاك البدعة، وقتل المسلمين. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهي ليست بيعة إمامة عظمى ابتداءً، بل بيعة الجولاني للشيخ الظواهري ليست بيعة عظمى. والسامرائي قد أخل بشروط البيعة، إذ ادعى تمكين ليس له، وادعى أهل حلّ وعقد ليسوا بأهل وعقد إلا في محلتهم، وهم مجاهيل غير معروفين لا يُعلم عدلهم، ولا يصح أن يتبع المسلمون مجاهيلًا، فإن لم يصح هذا في شهادة على وصية"اثنان ذوا عدل منكم"، فكيف يَحل في ريادة أمة؟

إذن، فلا بيعة للسامرائي، وليس الخروج عليه بنقض بيعة ابتداءً، من حيث دلّس شروطها، وتلبّس بما ليس فيه. ومن ثم كذلك فإنه لا يصح تطبيق أي من الأحاديث الواردة في نقض بيعة الإمام على السامرائي وتنظيمه، بل هذا هو الإفساد بعينه. وهو سبب ما نراه اليوم من هرْج ونكسة لجهاد الروافض والنصيرية.

ثم نأتي للبيعات الخاصة بين الجماعات. فيجب أن يكون معلومًا إنها كلها بيعات على أداء عمل محدد ينتهى بنهاية العمل. والإمارة في الشرع الإسلامي لا تختلف كثيرًا عن الإدارة. والعقد بين الأمير وأتباعه، يعتمد أساسًا على الالتزام الخلقي، خاصة في البيعات الخاصة، وليس له بعد عقدي البتة. بل أضاف أهل البدع هذا البعد ليجعلوها ثيوقراطية كاثوليكية، مثل هرمية الكنيسة. والمسلم عند كلمته وشرطه، إن أعطى صفقة يده في بيعة خاصة، وجب عليه أداء ما عليه، فإن أخل فقد ارتكب حرامًا. وإن راي اعوجاجا حذر منه، فإن لم يجد أذنا واعية ترك ولا عتب. ويجب أن يكون هناك وضوح في موضوع البيعة ونوعها قبل التبايع، تماما مثل شروط العقد، بيعا أو زواجًا. والثقة والأمانة والعدل هي معيار التعامل فيها. ويعظم جرم الخروج عن بيعة بقدر الإفساد الذي يتسبب فيه الخارج عنها. فإن اعتمد أمير

(2) راجع المقال السابق القسم (3) بالتفصيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت