مسألة: قال: ويحلق أو يقصر
وحملة ذلك أنه إذا نحر هدية فإنه يحلق رأسه أو يقصر منه لأن النبي صلى الله عليه و سلم حلق رأسه فروى أنس [ أن رسول الله صلى اله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزله بمنى فدعا فذبح ثم دعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن فحقله فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه ثم قال: ههنا أبو طلحة فدفعه إلى أبي طلحة ] رواه أبو داود والسنة أن يبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر لهذا الخبر ولأن النبي صلى الله عليه و سلم كان يعجبه التيامن في شأنه كله فإن لم يفعل أجزأه لا نعلم فيه خلافا وهو مخير بين الحلق والتقصير أيهما فعل أجزأه في قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن التقصير يجزئ يعني في حق من لم يوجد منه معنى يقتضي وجوب الحلق عليه إلا أنه يروى عن الحسن أنه كان يوجب الحلق في أول حجة حجها ولا يصح هذا لأن الله تعالى قال: محلقين رؤوسكم ومقصرين ولم يفرق النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ رحم الله المحلقين والمقصرين ] وقد كان مع النبي صلى الله عليه و سلم من قصر فلم يعب عليه ولو لم يكن مجزيا لأنكر عليه الحلق أفضل ل [ أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: رحم الله المحلقين قالوا: يا رسول الله والمقصرين ؟ قال: رحم الله المحلقين قالوا: والمقصرين يا رسول الله ؟ قال رحم الله المحلقين والمقصرين ] رواه مسلم ولأن النبي صلى الله عليه و سلم حلق واختلف أهل العلم فيمن لبد أو عقص أو ضفر فقال أحمد من فعل ذلك فليحلق وهو قول النخعي مالك و الشافعي و إسحاق وكان ابن عباس يقول: من لبد أو ضفر أو عقد أو فتل أو عقص فهو على ما نوى يعني إن نوى الحلق فليحلق وإلا يلزمه وقال أصحاب الرأي: هو مخير على كل حال لأن ما ذكرناه يقتضي التخيير على العموم ولم يثبت في خلاف ذلك دليل واحتج من نصر القول الأول بأنه روى [ عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: من لبد فليحلق ] وثبت عن عمر وابنه أنهما أمرا من لبد رأسه أن يحلقه وثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم لبد رأسه وأه حلقه والصحيح أنه مخير إلا أن يثبت الخبر عن النبي صلى الله عليه و سلم وقول عمر وابن قد خالفهما فيه ابن عباس وفعل النبي صلى الله عليه و سلم له لا يدل على وجوبه بعدما بين لهم جواز الأمرين
فصل: والحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة في ظاهر مذهب أحمد وقول الخرقي وهو قول مالك و أبي حنيفة و الشافعي وعن أحمد أنه ليس بنسك وإنما هو إطلاق من محظور كان محرما عليه بالإحرام فأطلق فيه عند الحل كاللباس والطيب وسائر محظورات الإحرام فعلى هذه رواية لا شيء على تاركه ويحصل الحل بدونه ووجهها أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بالحل من العمرة قبله ف [ روى أبو موسى قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال لي: بم أهللت ؟ قلت: لبيك باهلال كإهلال رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: أحسنت فأمرني فطفت بالبيت بين الصفا والمروة ثم قال لي: أحل ] متفق عليه وعن جابر [ أن النبي صلى الله عليه و سلم لما سعى بين الصفا والمروة قال: من كان معه هدي فليحل وليجعلهما عمرة ] رواه مسلم وعن سراقة وعن سراقة [ أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: إذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل إلا من كان معه هدي ] رواه أبو إسحاق الجوزجاني في المترجم ولأن ما كان محرما في الإحرام إذا أبيح كان إطلاقا من محظور كسائر محرماته والرواية الأولى أصح فإن النبي صلى الله عليه و سلم أمر به فروى ابن عمر [ أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة وليقصر وليحلل ] وعن جابر [ أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: أحلوا إحرامكم بطواف البيت والمروة وقصروا ] وأرمه يقتضي الوجوب ولأن الله تعالى وصفهم به بقوله سبحانه: { محلقين رؤوسكم ومقصرين } ولو لم يكن من المناسك لما وصفهم به كاللبس وقتل الصيد ولأن النبي صلى الله عليه و سلم ترحم على المحلقين ثلاثا وعلى المقصين مرة ولو لم يكن من المناسك لما دخله التفضيل كالمباحات ولأن النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه فعلوه في جميع حجهم وعمرهم ولم يخلو به ولو لم يكن نسكا لما داوموا عليه بل لم يفعلوه لأنه لم يكن من عادتهم فيفعلوه عادة ولا فيه فضل لفضه وأما أمره بالحل فإنما معناه - والله أعلم - الحل بفعله لأن ذلك كان مشهورا عندهم فاستغنى عن ذكره ولا يمتنع الحل من العبادة بما كان محرما فيها كالسلام من الصلاة
فصل: ويجوز تأخير الحلق والتقصير إلى آخر النحر لأنه إذا جاز تأخير النحر المقدم عليه فتأخيره أولى فإن أخره عن ذلك ففيه روايتان إحداهما: لا دم عليه وبه قال عطاء و أبو يوسف و أبو ثور ويشبه مذهب الشافعي لأن الله تعالى بين أول وقته بقوله: { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله } ولم يتبين آخره فمتى أتى به أجزأه كطواف الزيارة والسعي ولأنه نسك أجزأه إلى وقت جواز فعله فأشبه السعي وعن أحمد عليه دم بتأخيره وهو مذهب أبي حنيفة لأنه نسك أخره عن محله ومن ترك نسكا فعليه دم ولا فرق في تأخير بين القليل والكثير والعامد والساهي وقال مالك و الثوري و إسحاق و أبو حنيفة ومحمد ابن الحسن: من تركه حتى حل فعليه دم لأنه نسك فيأتي به في إحرام الحج كسائر مناسكه ولنا ما تقدم
فصل: والأصلع الذي لا شعر على رأسه يستحب أن يمر الموصى على رأسه روي ذلك عن ابن عمر وبه قال مسروق و سعيد بن جبير و النخعي و مالك و الشافعي و أبو ثور وأصحاب الرأي قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الأصلع يمر الموسى على رأسه وليس ذلك واجبا وقال أبو حنيفة يجب ل [ أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ] فهذا لو كان ذا شعر وجب عليه إزالته وامرار الموسى على رأسه فإذا سقط أحدهما لتعذره وجب الآخر
ولنا أن الحلق محله الشعر فسقط بعدمه كما يسقط وجوب غسل العضو في الوضوء بفقده ولأنه امرار لو فعله في الإحرام لم يجب به دم فلم يجب عند التحلل كامراره على الشعر من غير حلق
فصل: ويستحب لمن حلق أو قصر تقليم إظفاره والأخذ ن شاربه لأن النبي صلى الله عليه و سلم فعله قال ابن المنذر ثبت [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما حلق رأسه قلم أظفاره ] وكان ابن عمر يأخذ من شاربه وأظفاره وكان عطاء و طاوس و الشافعي يحبون لو أخذ من لحيته شيئا ويستحب إذا حلق أن يبلغ العظم الذي عند منقطع الصدغ من الوجه كان ابن عمر يقول للحالق: ابلغ العظمين افصل الرأس من اللحية وكان عطاء يقول من السنة إذا حلق رأسه أن يبلغ العظمين
مسألة: قال: ثم قد حل له كل شيء إلا النساء
وجملة ذلك أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة ثم حلق حل له كل ما كان محظورا بالإحرام إلا النساء هذا الصحيح من مذهب أحمد رحمه الله نص عليه في رواية جماعة فيبقى ما كان محرما عليه من النساء من الوطء والقبلة واللمس لشهوة وعقد النكاح ويحل له ما سواه هذا قول ابن الزبير وعائشة وعلقة و سالم و طاوس و النخعي وعبد الله بن الحسين و خارجة بن زيد و الشافعي و أبي ثور وأصحاب الرأي وروي أيضا عن ابن عباس وعن أحمد أه يحل له كل شيء إلا الوطء في الفرج لأنه أغلظ المحرمات ويفسد انسك بخلاف غيره وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يحل له كل شيء إلا النساء والطيب وروي ذلك عن ابن عمر وعروة بن الزبير وعباد بن عبد الله بن الزبير لأنه من دواعي الوطء فأشبه القبلة وعن عروة أنه لا يلبس القميص ولا العمامة ولا يتطيب وروى في ذلك عن النبي صلى الله عليه و سلم حديثا
ولنا ما روت عائشة [ أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء ] رواه سعيد وفي لفظ [ إذا رمى أحدكم جمرة العقبة وحلق رأسه فقد حل له كل شيء إلا النساء ] رواه السعيد وفي لفظ [ إذا رمى أحدكم جمرة العقبة وحلق رأسه فقد حل له كل شيء إلا النساء ] رواه الأثرم و أبو داود إلا أن أبا داود قال: هو ضعيف رواه الحجاج عن الزهري ولم يلقه والذي أخرجه سعيد رواه الحجاج عن أبي بكر بن محمد بن عمرة عن عائشة [ قالت عائشة: طيبت رسول الله صلى الله عليه و سلم لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت ] متفق عليه وعن سالم عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب: إذا رميتم الجمرة وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا الطيب والسناء فقالت عائشة رضي الله عنها: أنا طبيب رسول الله صلى الله عليه و سلم فسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم أحق أن تتبع رواه سعيد وعن أم سلمة [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يوم النحر: إن هذا يوم رخص لكم إذا رميتم أن تحلوا ] يعني من كل ما حرمتم منه إلا النساء رواه أبو داود وعن عبد الله بن عباس أنه قال: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء فقال له رجل والطيب قال: أما أنا فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يضمخ رأسه بالمسك أفطيبت ذلك أم لا ؟ رواه ابن ماجة وقال مالك: لا يحل له النساء ولا الطيب ولا قتل الصيد لقوله الله تعالى: { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } وهذا حرام وقد ذكرنا ما يرد هذا القول ويمنع أنه محرم وإنما بقي بعض أحكام الإحرام
فصل: ظاهر كلام الخرقي ها هنا أن الحل إنا يحصل بالرمي والحلق معا وهو إحدى الروايتين عن أحمد وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي لقول النبي صلى الله عليه و سلم: [ إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء ] وترتيب الحل عليهما دليل على حصوله بهما ولأنهما نسكان يتعقبها الحل فكان حاصلا بهما كالطواف والسعي في العمرة وعن أحمد إذا رمى الجمرة فقد حل وإذا وطئ بعد جمرة العقبة فعليه دم ولم يذكر الحلق وهذا يدل على أن الحل بدون الحلق وهذا قول عطاء ومالك وأبي ثور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لقوله في حديث أم سلمة: [ إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء ] وكذلك قال ابن عباس قال بعض أصحابنا: هذا يبنى على الخلاف في الحلق هل هو نسك أ لا ؟ فإن قلنا نسك حصل الحل به وإلا فلا
مسألة: قال: والمرأة تقصر من شعرها مقدرا الأنملة
والأنملة رأس الأصبع من المفصل الأعلى والمشروع للمرأة والتقصير دون الحلق لا خلاف في ذلك قال ابن المنذر: أجمع على هذا أهل العلم وذلك لأن الحلق في حقهن مثله وقد روى ابن عباس قال: [ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير ] رواه أبو داود وعن علي قال: [ نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن تحلق المرأة رأسها ] رواه الترمذي وكان أحمد يقول: تقصر من كل قرن قدر الأنملة وهو قول ابن عمر و الشافعي و إسحاق و أبي ثور وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن المرأة تقصر من كل رأسها قال: نعم تجمع شعرها إلى مقدم رأسه ثم تأخذ من أطراف شعرها قدر أنملة والرجل الذي يقصر في ذلك كالمرأة وقد ذكرنا في ذلك خلافا فيما مضى