الفصل الثالث فيما يكره: يكره اشتمال الصماء لما روى البخاري عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه نهى عن لبستين اشتمال الصماء وأن يحتبي الرجل بثوب ليس بين فرجه وبين السماء شيء واختلف في تفسير اشتمال الصماء فقال بعض أصحابنا هو أن يضطبع بالثوب ليس عليه غيره ومعنى الاضطباع أن يضع وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على منكبه الأيسر ويبقى منكبه الأمين مكشوفا وروي حنبل عن أحمد في اشتمال الصماء أن يضطبع الرجل بالثوب ولا إزار عليه فيبد شقه وعورته أما إن كان إزار فتلك لبسة المحرم فلو كان لا يجزئه لم يفعله النبي صلى الله عليه و سلم وروى أبو بكر عن ابن مسعود قال: نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يلبس الرجل ثوبا واحدا يأخذ بجوانبه على منكبه فيدعى تلك الصماء وقال بعض أصحاب الشافعي هو أن يلتحف بالثوب ثم يخرج يديه من قبل صدره وقال أبو عبيد اشتمال الصماء عند العرب أن يشتمل الرجل بثوبه يجلل به جسده كله ولا يرفع منه جانبا يخرج منه يده كأنه يذهب به إلى أنه لعله يصيبه شيء يريد الاحتراس منه فلا يقدر عليه وتفسير الفقهاء أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيبدو منه فرجه والفقهاء أعلم بالتأويل فعلى هذا التفسير يكون النهي للتحريم وتفسد الصلاة معه - ويكره السدل وهو أن يلقي طرف الرداء من الجانبين ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الأخرى ولا يضم الطرفين بيديه وكره السدل ابن مسعود و النخعي و الثوري و الشافعي و مجاهد و عطاء وعن جابر وابن عمر الرخصة فيه وعن مكحول و الزهري و عبيد الله بن الحسن بن الحسين أنهم فعلوه وعن الحسن و ابن سيرين أنهما كانا يسدلان فوق قميصهما قال ابن المنذر لا أعلم فيه حديثا يثبت وقد روي [ عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه ] رواه أبو داود من طريق عطاء ثم روي عن ابن جريج أنه قال أكثر ما رأيت عطاء يصلي سادلا - ويكره اسبال القمص والأزر والسراويلات على وجه الخيلاء لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه ] متفق عليه وروى أبو داود [ عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من الله جل ذكره في حل ولا حرام ] - ويكره أن يغطي الرجل وجهه أو فمه لما ذكرنا من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى أن يغطي الرجل فاه وهل يكره التلثم على الأنف ؟ على روايتين إحداهما يكره لأن ابن عمر كرهه والأخرى لا يكره لأن تخصيص الفم بالنهي عن تغطيته تدل على إباحة تغطية غيره
وتكره الصلاة في الثوب المزعفر للرجل وكذلك المعصفر لأن البخاري و مسلما رويا أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى الرجال عن التزعفر وروى مسلم عن علي رضي الله عنه قال: نهاني النبي صلى الله عليه و سلم عن لباس المعصفر و [ قال عبد الله بن عمر رأى النبي صلى الله عليه و سلم علي ثوبين معصفرين فقال: إن هذا من ثياب الكفار فلا تلبسهما ] وروى أبو بكر بإسناده عن عمران بن الحصين أن نبي الله صلى الله عليه و سلم قال: [ لا أركب الأرجوان ولا ألبس المعصفر ] فأما شد الوسط في الصلاة فإن كان بمنطقة أو مئزر أو ثوب أو شد قباء فلا يكره رواية واحدة قال أبو طالب سألت أحمد عن الرجل يصلي وعليه قميص يأتزر بالمنديل قال نعم وقد نقل ذلك ابن عمر وإن كان بخيط أو حبل مع سرته وفوقها فهل يكره ؟ على روايتين إحداهما يكره لما فيه من التشبه بأهل الكتاب وقد نهى النبي صلى الله عليه و سلم عن التشبه بهم وقال: [ لا تشتملوا اشتمال اليهود ] رواه أبو داود والرواية الأخرى قال لا بأس أليس قد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ لا يصلي أحدكم إلا وهو محتزم ] وقال ابن سعيد سألت أحمد عن حديث النبي صلى الله عليه و سلم: [ لا يصلي أحدكم إلا وهو محتزم ] قال كأنه من شد الوسط وروى الخلال بإسناده عن الشعبي قال: كان يقال شد حقوك في الصلاة ولو بعقال وعن يزيد بن الأصم مثله
وأما الصلاة في الثوب الأحمر فقال أصحابنا: يكره للرجال لبسه والصلاة فيه وقد اشترى عمر ثوبا فرأى فيه خيطا أحمر فرده وقد روى أبو جحيفة قال: خرج النبي صلى الله عليه و سلم في حلة حمراء ثم ركزت له عنزة فتقدم وصلى الظهر وقال البراء ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه و سلم متفق عليهما وروى أبو داود عن هلال بن عامر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يخطب على بغلة وعليه برد أحمر وعلي أمامه يعبر عنه ووجه كراهة ذلك ما روى أبو داود بإسناده عن عبد الله بن عمرو قال: دخل على النبي صلى الله عليه و سلم رجل عليه بردان أحمران فسلم فلم يرد النبي صلى الله عليه و سلم وبإسناده [ عن رافع بن خديج قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في صفر فرأى رسول الله صلى الله عليه و سلم على رواحلنا أكسية فيها خيوط عهن أحمر فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ألا أرى هذه الحمرة قد علتكم فقمنا سراعا لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى نفر بعض إبلنا فأخذنا الأكسية فنزعناها عنها ] والأحاديث الأول أثبت وأبين في الحكم فإن ترك النبي صلى الله عليه و سلم لرد السلام عليه يحتمل أن يكون لمعنى غير الحمرة ويحتمل أنها كانت معصفرة وهو مكروه وحديث رافع يرويه عنه رجل مجهول ولأن الحمرة لون فهي كسائر الألوان
فصل: وقد روى أبو داود عن أبي دمنة قال انطلقت مع أبي نحو النبي صلىالله عليه وسلم فرأيت عليه بردين أخضرين وبإسناده عن قتادة قال: قلنا لأنس أي اللباس كان أحب إلى النبي صلى الله عليه و سلم ؟ قال الحبرة متفق عليه وبإسناده عن ابن عميرة أنه قيل له لم تصبغ بالصفرة ؟ فقال أني رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يصبغ بها ولم يكن يعني أحب إليه منها وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها حتى عمامته وبإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ ألبسوا من ثبابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم ]