مسألة: قال أبو القاسم رحمه الله: وكل جلد ميتة دبغ أو لم يدبغ فهو نجس
لا يختلف المذهب في نجاسة الميتة قبل الدبغ ولا نعلم أحدا خالف فيه وأما بعد الدبغ فالمشهور في المذهب أنه نجس أيضا وهو أحدى الروايتين عن مالك ويروى ذلك عن عمر وابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وعمران بن حصين وعائشة رضي الله عنهم وعن أحمد رواية أخرى أنه يطهر منها جلد ما كان طاهرا في حال الحياة وروي نحو هذا عن عطاء و الحسن و الشعبي و النخعي و قتادة و يحيى الأنصاري و سعيد بن جبير و الأوزاعي و الليث و الثوري و ابن المبارك و إسحاق و روي ذلك عن عمر وابن عباس وابن مسعود وعائشة رضي الله عنهم مع اختلافهم فيما هو طاهر في الحياة وهو مذهب الشافعي وهو يرى طهارة الحيوانات كلها إلا الكلب والخنزير فيطهر عنده كل جلد إلا جلدهما وله في جلد الآدمي وجهان وقال أو حنيفة يطهر كل جلد بالدبغ إلا جلد الخنزير وحكي عن أبي يوسف أنه يطهر كل جلد وهو رواية عن مالك ومذهب من حكم بطهارة الحيوانات كلها لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ إذا دبغ الاهاب فقد طهر ] متفق عليه لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم وجد شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: [ هلا انتفعتم بجلدها قالوا إنها ميتة قال: إنما حرم أكلها ] وفي لفظ [ الا أخذوا إهابها فدبغوه به ] متفق عليه ولأنه إنما نجس باتصال الدماء والرطوبات به الموت والدبغ ذلك فيرتد الجلد إلى ما كان عليه في حال الحياة ولنا ما روي عبد الله بن عكيم [ أن النبي صلى الله عليه و سلم كتب إلى جهينة إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاء كم كتابي هذا لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ] رواه أبو داود في سننه والإمام أحمد في مسنده وقال الإمام أحمد بإسناد جيد يرويه يحيى بن سعيد عن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم وفي لفظ [ أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل وفاته بشهر أو شهرين ] وهو ناسخ لما قبله لأنه آخر عمر النبي صلى الله عليه و سلم ولفظه دال على سبق الترخيص وأنه متأخر عنه لقوله: [ كنت رخصت لكم ] وإنما يؤخذ بالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم فإن قيل: هذا مرسل لأنه من كتاب لا يعرف حامله قلنا كتاب النبي صلى الله عليه و سلم كلفظه ولولا ذلك لم يكتب النبي صلى الله عليه و سلم إلى أحد وقد كتب إلى ملوك الأطراف وإلى غيرهم فلزمتهم الحجة به وحصل له البلاغ ولو لم يكن حجة لم تلزمهم الإجابة ولا حصل به بلاغ ولكان لهم عذر في ترك الإجابة لجهلهم بحامل الكتاب وعدالته وروى أبو بكر و الشافعي بإسناده [ عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: لا تنتفعوا من الميتة بشيء ] وإسناده حسن ولأنه جزء من الميتة فكان محرما لقوله تعالى: { حرمت عليكم الميتة } فلم يطهر بالدبغ كاللحم ولأنه حرم بالموت فكان نجسا كما قبل الدبغ وقولهم أنه إنما نجس باتصال الدماء والرطوبات به غير صحيح لأنه لو كان نجسا لذلك لم ينجس ظاهر الجلد ولا ما ذكاه المجوسي والوثني ولا ما قد نصفين ولا متروك التسمية لعدم علة التنجيس ولوجب الحكم بنجاسة الصيد الذي لم تنسفح دماؤه وطوباته ثم كيف يصح هذا عن الشافعي وهو يحكم بنجاسة الشعر والصوف والعظم ؟ و أبو حنيفة يطهر جلد الكلب وهو نجس في الحياة