مسألة: قال: ويعطى مما كوتب علبيه الربع لقوله الله تعالى { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم }
الكلام في الإيتاء في خمسة فصول: وجوبه وقدره جنسه ووقت جوازه ووقت وجوبه
الفصل الأول: فإنه يجب على السيد إتيان المكاتب شيئا مما كوتب عليه روي ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال الشافعي و إسحاق وقال بريدة و الحسن و النخعي و الثوري و مالك و أبو حنيفة ليس بواجب لأنه عقد معاوضة فلا يجب فيه الإيتاء كسائر عقود المعاوضات
ولنا قول الله تعالى { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } وظاهر الأمر الوجوب وقال علي رضي الله عنه في تفسيرها: ضعوا عنهم ربع مال الكتابة وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ضعوا عنهم من مكاتبتهم شيئا وتخالف الكتابة سائر العقود فإن القصد بها الرفق بالعقد بخلاف غيرها ولأن الكتابة يستحق بها الولاء على العبد مع المعاوضة فلذلك يجب أن يستحق العبد على السيد شيئا فإن قيل المراد بالإتياء إعطاؤه سهما من الصدقة أو الندب إلى التصدق عليه وليس ذلك بواجب بدليل أن العقد يوجب العوض عليه فكيف يقتضي إسقاط شيء منه ؟ قلنا: أما الأول فإن عليا وابن عباس رضي الله عنهما فسراه بما ذكرناه وهما أعلم بتأويل القرآن وحمل عنه الأمر على الندب يخالف مقتضى الأمر فلا يصار إليه إلا بدليل وقولهم إن العقد يوجب عليه فلا يسقط عنه قلنا إنما يجب للرفق به عند آخر كتابته مواساة له وشكرا لنعمه الله تعالى كما تجب الزكاة مواساة من النعم التي أنعم الله تعالى بها على عبده ولأن العبد وولي جمع هذا المال وتعب فيه فاقتضى الحال لمواساته منه كما أمر النبي صلى الله عليه و سلم بإطعامه من الطعام الذي ولي حره ودخانه واختص هذا بالوجوب لأن فيه معونة على
العتق وإعانة لمن يحق على الله تعالى عونه فإن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ليه وسلم [ ثلاثة حق على الله تعالى عونهم: المجاهد في سبيل الله والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف ] أخرجه الترمذي وقال حديث حسن
الفصل الثاني: في قدره وهو الربع ذكره الخرقي و أبو بكر وغيرهما من أصحابنا وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وقال قتادة العشر وقال الشافعي و ابن منذر: يجزئ ما يقع عليه الاسم وهو قول مالك إلا أنه عنده مستحب لقول الله تعالى { من مال الله الذي آتاكم } و ( من ) للتبعيض والقليل بعض فيكتفي به وقال ابن عباس: وضعوا عنهم من مكاتبتهم شيئا ولأنه قد ثبت أن المكاتب لا يعتق حتى يؤدي جميع الكتابة بما ذكرنا من الأخبار ولو وجب إيتاؤه الربع لوجب أن يعتق إذا أدى ثلاثة أرباع الكتابة ولا يجب عليه أداء مال يجب رده إليه وروي عن ابن عمر أنه كاتب عبدا له خمسة وثلاثين ألفا فأخذ منه ثلاثين وترك له خمسة
ولنا ما روى أبو بكر بإسناده عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم في قوله { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } فقال ربع الكتابة وروي موقوفا على علي ولأنه مال يجب إيتاؤه مواساة بالشرع فكان مقدورا كالزكاة ولأن حكمة إيجابه الرفق بالمكاتب وإعانته على تحصيل العتق وهذا لا يحصل باليسير الذي هو أقل ما يقع عليه الاسم فلم يجز أن يكون هو الواجب وقول الله تعالى { وآتوهم من مال الله } وإن ورد غير مقدر فإن السنة تبينه وتبين قدره كالزكاة
الفصل الثالث: في جنسه إن قبض مال الكتابة تم إعطاؤه منه جاز لأن الله تعالى أمر بالإيتاء منه وإن وضع عنه مما وجب عليه جاز لأن الصحابة رضي الله عنهم فسروا الإيتاء بذلك ولأنه ابلغ في النفع وأعون على حصول العتق فيكون أفضل من اليتاء وتحصل دلالة الآية عليه من طريق التنبيه وإن أعطاه من جنس مال الكتابة من غيره جاز ويحتمل أن لا يلزم المكاتب قبوله وهو ظاهر كلام الشافعي لأن الله تعالى أمر بالإيتاء منه
ولنا أنه لا فرق في المعنى بين الإيتاء منه وبين الإيتاء من غيره إذا كان من جنسه فوجب أن يتساويا في الإجزاء وغير المنصوص إذا كان في معناه ألحق به وكذلك جاز الحط وليس هو بإيتاء لما كان في معناه وإن آتاه من غير جنسه مثل أن يكاتبه على دراهم فيعطيه دنانير أو عروضا لم يلزمه قبوله لأنه لم يؤته منه ولا من جنسه ويحتمل الجواز لأن الرفق به ويحصل به
الفصل الرابع في وقت جواز وهو من حين العقد لقول الله تعالى { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم } وذلك يحتاج إليه من حين العقد وكلما عجله كان أفضل لأنه يكون أنفع كالزكاة
الفصل الخامس: في وقت جوازه وهو من حين العتق لأن الله تعالى أمر بإيتائه من المال الذي أتاه وإذا أتا المال عتق فيجب إتاؤه حين أذن قال علي رضي الله عنه: الكتابة على نجمين والإيتاء من الثاني فإن مات السيد قبل إيتاءه فهو دين في تركته لأنه حق واجب فهو كسائر ديونه وإن ضاقت التركة عنه وعن غيره من الديون تحاصوا في التركه بقدر حقوقهم ويقدم ذلك على الوصايا لأنه دين وقد قضى النبي صلى الله عليه و سلم أن الدين قبل الوصية والله الموفق