فإن توحيد الأسماء والصفات هو إفراد الله بما له من الأسماء والصفات، وإفراده بذلك يكون بإثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات، من غير تحريف ولا تمثيل، ولا تعطيل، ولا تكييف. ويجمع ذلك كله قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} . فـ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} نفي المماثلة بين الخالق والمخلوق، وقطع لعلائق النفس من هذا الجانب، وقوله {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} إثبات صريح للصفة وأن الله متصف بصفات الكمال والجلال. فكل صفة كمال في حق البشر فالله أولى بها وأحق على ما يليق بجلاله وعظمته مع نفي المماثلة بينه وبين المخلوق، وكل صفة تنزه عنها البشر فالباري منزه عنها من باب أولى.
وهذا الباب -أعني: باب الاسماء والصفات- اختلف فيه أهل القبلة اختلافًا كثيرًا، وكلٌ يدعي تنزيه الله جل في علاه، فمنهم من سلك مسلك التعطيل ونفى صفات الله زاعمًا أنه ينزهه عن مشابهة المخلوقين. ومنهم من سلك مسلك التمثيل فشبه الله بخلقه، ومنهم من سلك مسلك التأويل (التحريف) حيث صرفوا النصوص عن ظاهرها اللائق بها إلى معانٍ أخر لم يدل عليها دليل، زاعمين أنهم ينزهون الله عن كل عيب ونقيصة، وكان حقًا عليهم أن يثبتوا لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، على ما يليق بجلال الله، دون الخوض في كيفيتها. والنصوص في هذا الباب كثيرة جدًا.