ثم اعلم: بأن الرجاء ملازم للخوف، فهما كجناحي طائر، إن غلب أحدهما الآخر لم يستقم الحال.
والقلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر، فالمحبة رأس له، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضه لكل صائد وكاسر، ولكن السلف استحبوا أن يقوي في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوي جناح الرجاء على جناح الخوف، هذه طريقة أبي سليمان وغيره. قال: ينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف، فإن غلب عليه الرجاء فسد. وقال غيره: أكمل الأحوال: اعتدال الرجاء والخوف، وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله الموصل بمنة وكرمه. اهـ .
والله أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعل آله وسلم، والحمد لله رب العالمين.
المجلس الأول: محبة الله عز وجل
الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على البشير النذير، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
محبة الله عز وجل هي المحرك إلى الطاعة، والعبودية معقودة بها، فمتى انحلت المحبة انحلت العبادة والعبادة مبنية على كمال المحبة، مع كمال الذل والخضوع. فمتى تجردت المحبة عن العبادة، كانت كالجسد بلا روح. ولذلك كان حريٌ بالمؤمن أن يسعى لتحقيق محبة الله عز وجل. وليست المحبة دعوى يقولها كل أحد، بل لا بد من بينة وعلامة على صحة هذه الدعوى وصدقها. قال بعض السلف: أدعى قومٌ محبة الله فأنزل الله آية المحنة: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} . فمن أدعى المحبة طولب باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، أما محبة مع مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ونهيه، فليست محبة؛ بل دعوى كاذبة.