قال: فأما قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم. أفتسبوا أمكم عائشة؟ فإن قلتم نسبيها فنستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم، فأنتم تترددون بين ضلالتين. أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم.
قال: وأما قولكم: محا نفسه من إمرة المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون، إن نبي الله يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو قال رسول الله: اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو: ما نعلم أنك رسول الله، ولو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم إنك تعلم أني رسولك، امح يا علي واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أبو سفيان وسهيل بن عمرو".
قال: فرجع منهم ألفان وبقي بقيتهم فخرجوا فقتلوا أجمعين) .
ولله الحمد والمنة، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الحمد لله العلي الأعلى، خلق فسوى، وقدر فهدى، والصلاة والسلام على الرسول المصطفى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
النفاق الأكبر أو النفاق الاعتقادي، محبط للعمل، وجالب النقم، قد انطوى صاحبه على خبث في النفس، وخديعة ومكر للخلق، ولكن يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. وكان عقابهم أنهم في الدرك الأسفل من النار، قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} .
قال ابن قيم الجوزية: فالأكبر - (أي: النفاق الأكبر) - يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل، وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به، لا يؤمن بأن الله تكلم بكلام أنزله على بشر جعله رسولًا، يهديهم بإذنه، وينذرهم بأسه، ويخوفهم عقابه.