ومقام التوكل من أعظم مقامات الدين وهو عمل قلبي: قال ابن قيم الجوزية: التوكل نصف الدين، والنصف الثاني الإنابة، فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة ، بل هو محض العبودية وخالص التوحيد، إذا قام به صاحبه حقيقة ( ) .
وهل يلزم من التوكل نفي الأسباب ؟ حتى يكمل الاعتماد والتوكل على الله ؟
الجواب: أوضح شيخ الإسلام بن تيمية ذلك المعنى بعبارة وجيزة جامعة مانعة فقال: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع . اهـ ( ) .
وقال ابن قيم الجوزية: ومن ههنا ظن من ظن أن التوكل لايصح إلا برفض الأسباب . وهذا حق لكن رفضها عن القلب لا عن الجوارح، فالتوكل لا يتم إلا برفض الأسباب عن القلب، وتعلق الجوارح بها. فيكون منقطعًا منها متصلًا بها .اهـ ( ) .
ففعل الأسباب التي بها يحصل المطلوب هو من التوكل، والركون والخمول والتواكل والإعراض عن فعل الأسباب قدح في الشرع كما قال ابن تيمية ، ولذلك فإن سيد المتوكلين محمد صلى الله عليه وسلم ، مع توكله، واتصاله بربه، ورغبته عما عند الناس، كان يفعل الأسباب، ففي أُحد ظاهر بين درعين، واستأجر مشركًا خريتًا يدله الطريق عند مهاجره من مكة إلى المدينة، وكان يرقي نفسه إذا اشتكى .
ولكن تعلق القلب بالأسباب دون المسبب وهو الله، يجعل التوكل معلول مدخول، وينقص من كمال التوكل .
ومن آثار التوكل حسن العاقبة، وحصول المطلوب، وزوال المرهوب ، يدل على ذلك قوله تعالى
: { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} ( ) .