ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان ، إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولا بد وهما الرياء ، والكبر . فدواء الرياء بـ (إياك نعبد) ، ودواء الكبر بـ (إياك نستعين ) . وكثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: (إياك نعبد) تدفع الرياء ( وإياك نستعين ) تدفع الكبرياء .
فإذا عوفي من مرض الرياء بـ (إياك نعبد) ومن مرض الكبرياء والعجب بـ (إياك نستعين) ومن مرض الضلال والجهل بـ (اهدنا الصراط المستقيم ) عوفي من أمراضه وأسقامه، ورفل في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان من المنعم عليهم ( غير المغضوب عليهم ) وهم أهل فساد القصد، الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه، (والضالين) وهم أهل فساد العلم، الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه .
وحق لسورة تشتمل على هذين الشفاءين: أن يُستشفى بها من كل مرض، ولهذا لما اشتملت على هذا الشفاء الذي هو أعظم الشفاءين، كان حصول الشفاء الأدنى بها أولى، كما سنبينه، فلا شي أشفى للقلوب التي عقلت عن الله كلامه، وفهمت عنه فهمًا خاصًا ، اختصها به، من معاني هذه السورة .
وأما تضمنها لشفاء الأبدان: فنذكر منه ما جاءت به السنة .
ففي الصحيح من حديث أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري ( أن ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، مروا بحي من العرب، فلم يقْرُوهم ولم يضيفوهم، فلدغ سيد الحي، فأتوهم فقالوا: هل عندكم من رقية، أو هل فيكم من راق ؟ . فقالوا: نعم ، ولكنكم لم تقرونا ، فلا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلًا ، فجعلوا لهم على ذلك قطيعًا من الغنم، فجعل رجل منا يقرأ عليه بفاتحة الكتاب، فقام كأن لم يكن به قَلَبَه( ) . فقلنا: لا تجعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأتيناه، فذكرنا له ذلك، فقال: ما يدريك أنه رقية ؟ كلوا، واضربوا لي معكم بسهم ) .