قوله تعالى-في أمره بالصلاة حتى في حال الخوف-: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا اسلحتهم ، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ... الآية } ( ) . والدليل في هذه الآية على وجوب صلاة الجماعة من عدة أوجه: أولًا: أن الناس في وقت خوف . ثانيًا: أمره تعالى بإقامة صلاة الجماعة، في وقت الناس أحوج ما يكونون إلى الانتباه ومقابلة العدو والحذر منه . ثالثًا: تفريق الله الجند إلى طائفتين، كلها تؤدي صلاة الجماعة، مما يدل على أنها فرض عين ، ولو لم تكن فرض عين، لسقط فرضيتها بفعل الطائفة الأولى .
وقوله صلى الله عليه وسلم: ( لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم أخالف إلى منازل قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم) ( ) . ولو كانت الصلاة سنة مؤكدة أو فرض كفاية لما همّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت الذين لا يشهدون الصلاة .
ومن الأدلة أيضًا على فرضية صلاة الجماعة على كل أحد: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له. فلما ولى دعاه فقال: ( هل تسمع النداء بالصلاة ؟ ) قال: نعم . قال: ( فأجب ) ( ) . فهذا رجل أعمى، وليس له من يقوده إلى المسجد في كل صلاة، والطريق إلى المسجد به الهوام والسباع-كما في رواية أبي داود ( ) - ومع ذلك لم يرخص له النبي صلى الله عليه وسلم لكونه يسمع النداء ! . فمن باب أولى الرجل الصحيح ، الآمن، أن لا يعذر بترك الجماعة .
وقال صلى الله عليه وسلم: (من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر ) ( ) .