فإن الله شرع لعباده زيارة المقابر لما فيها من المصالح التي تعود على الزائر وعلى المقبور ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن الزيارة الشرعية عبادة لله، وطاعة لرسوله، وتوحيد لله وإحسان إلى عباده، وعمل صالح من الزائر يثاب عليه . اهـ ( ) . وهذا معنى جليل، يتجلى فيه توحيد الله بسؤاله ودعائه وحده أن ينزل رحماته ومغفرته على الميت ، ويتجلى فيه اتباع الرسول وطاعته في ندبه لزيارة المقابر، ويتجلى فيه الإحسان إلى الغير بالدعاء للميت بالمغفرة والرحمة، ويتجلى فيه نفع النفس بتكثير الحسنات، والاتعاظ بحال من سلف، وتذكر الآخرة .
والنبي صلى الله عليه وسلم حذر من اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، فقال صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس ليالٍ: ( ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك) ( ) . ونهي النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مسجدًا ومزارًا، خشية الافتتان بها وتعظيمها، فترتكب المحرمات والشركيات باسم تعظيم الأنبياء، وأداء حقوق الأولياء، فمن ذبح لغير الله إلى نذورٍ وصدقات يأكلها السدنة سحتًا وبغيًا، إلى عكوف على القبور وتبرك بأحجار وأضرحة، إلى دعاء ونداء واستغاثة بغير الله . فلا إله إلا الله كم ذبح التوحيد على أعتاب ضريح أو قبر ولي .
واعلم أن الأضرحة وقبور الأولياء لم تظهر في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، ولا في عهد التابعين ولا تابع التابعين، وإنما حدث ذلك في زمن العبيديين الفاطميين الرافضة، الذين أحدثوا تلك القبور والأضرحة وزخرفوها، وبنوا المساجد عليها، وجملوها بالستور، وأناروها بالسرج، وروجوا فيها من الأحاديث المكذوبة، والأدعية المخترعة، حتى تلين لها قلوب العوام فيتابعوهم على ذلك .