-ومن آداب الأكل والشرب: الأكل مما يلي الآكل . ففي إحدى روايات حديث عمر بن أبي سلمة،أنه قال أكلت يومًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلتُ آخذ من لحمٍ حول الصحفة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كل مما يليك ) ( ) . وعلة النهي في ذلك؛ لأن الأكل من موضع أيدي الناس فيه سوء أدب، وقد يتقذر الآكل من هذا الفعل- وهو الغالب- وأما حديث أنس قال: إن خياطًا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه فذهبت مع النبي صلى الله عليه وسلم فقرب خبز شعير ومرقًا فيه دباءٌ وقديدٌ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة ( ) . فالجواب عنه: إن المرق والادام وسائر الطعام،إذا كان فيه نوعان أو أنواع،فلا بأس أن تجول اليد فيه، للتخير مما وضع على المائدة... ثم قال- معلقًا على قوله: ( وكل مما يليك ) : وإنما أمره أن يأكل مما يليه، لأن الطعام كله كان نوعًا واحدًا، والله أعلم. كذا فسره أهل العلم ( ) .
-ومن آدب الأكل والشرب: استحباب الأكل بثلاثة أصابع ولعق اليد بعده: فمن هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان يأكل بأصابعه الثلاث، وكان يلعق يده بعد الفراغ من طعامه. جاء ذلك في حديث كعب ابن مالك عن أبيه أنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاث أصابع ويلعق يده قبل أن يمسحها ) ( ) . قال ابن القيم: فإن الأكل بأصبع أو أصبعين لا يستلذ به الآكل، ولا يمريه، ولا يشبعه إلا بعد طول، ولا تفرح آلات الطعام والمعدة بما ينالها في كل أكلة... والأكل بالخمسة والراحة يوجب ازدحام الطعام على الآته، وعلى المعدة، وربما انسدت الآلات فمات، وتُغصب الآلات على دفعه، والمعدة على احتماله، ولا يجد له لذة ولا استمراء، فأنفع الأكل أكله صلى الله عليه وسلم، وأكل من اقتدى به بالأصابع الثلاث اهـ ( ) .