-ومن آداب الأكل والشرب: النهي عن عيب الطعام واحتقاره . وفيه حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: ( ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا قط، كان إذا اشتهى شيئًا أكله وإن كرهه تركه ) ( ) . وعيب الطعام كقولك: مالح أو قليل الملح أو حامض أو رقيق أو غليظ أو غير ناضج ونحو ذلك، قاله النووي ( ) . وعلة النهي في ذلك؛ لأن الطعام خلقة الله فلا تعاب، وفيه وجهٌ آخر وهو أن عيب الطعام يُدخل على قلب الصانع الحزن والألم لكونه الذي أعده وهيأه، فسدَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الباب حتى لا يجد الحزن طريقًا إلى قلب المسلم، والشريعة تأتي بمثل هذا دائمًا . ولا يدخل في هذا امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من أكل الضب لأنه صلىالله عليه وسلم أخبر بأنه لا يشتهيه ولم يعبه .
-ومن آداب الأكل والشرب: استحباب الشرب جالسًا ، وجوازه قائمًا . وقد وردت أحاديث صحيحة في جواز الشرب قائمًا ، وأحاديث صحيحة أيضًا في النهي عن الشرب قائمًا ، فمنه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( زجر عن الشرب قائمًا ) وفي رواية: ( نهى أن يشرب قائمًا ) ( ) . ومن أحاديث جواز الشرب قائمًا: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ( سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب وهو قائم ) ( ) . والجمع بين هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض ممكن، فالأصل الشرب من قعود ، وتحمل أحاديث الشرب قائمًا على الرخصة حال العذر ، وفي حديث ابن عباس السابق كان شرب النبي صلى الله عليه وسلم من زمزم، والناس في ذلك المكان يغلب عليه الازدحام، فقد كانت هذه الواقعة في الحج ، ولم يكن موضع قعود، فمتى ما كان ثم عذر، رُخص في الشرب قائمًا .