يَأمرُ (1) صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالبُعدِ عَن الأُمُورِ المشكوكِ فِيهَا، والأخْذِ بالأمورِ الْمُتَيَقَّنِ مِنْهَا، وبهذا يَحْفَظُ الْمُسْلِمُ عِرْضَهُ مِن الذَّمِّ، ويَحْفَظُ نفسَهُ مِن الوُقوعِ فِيمَا حرَّمَ اللهُ عزَّ وجلَّ، ويَطْمَئِنُّ قلبُهُ مِن القَلَقِ والاضطرابِ؛ لأنَّ الشُّبُهاتِ سَبَبٌ لحصولِ القلقِ والاضطراباتِ فِي القلبِ، ويُؤَدِّي بِه إِلَى خُلُقِ الوَرَعِ (2) وَهُو عميمُ النَّفعِ فِي سدِّ أبوابِ وَساوسِ الشَّيطانِ، عظيمُ الْجَدْوَى فِي الدُّنيا والآخِرَةِ.
كانَ سلَفُ الأمَّةِ يَتَخَلَّقونَ بأخلاقِ الإِسْلاَمِ الْوَاجِبِ مِنْهَا والمندوبِ، وَهَذِه بَعْضُ الْمَواقفِ أذكرُهَا لبَيانِ كَيْفَ كَانَ لنصوصِ الْكِتَابِ والسُّنَّةِ أَثَرٌ فِي حياتِهِم وسُلوكِهِم:
1 -عن عائشةَ رَضِي اللهُ عَنْهُا قالَتْ: (كَان لأبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِي اللهُ عَنْهُ غلامٌ يُخْرِجُ لَه الْخَرَاجَ(3) ، وَكَان أَبُو بكرٍ يَأكلُ مِن خَرَاجِهِ، فجاءَ يَومًا بِشَيْءٍ فأَكَلَ مِنْه أَبُو بكرٍ، فقالَ لَه الغُلامُ: تَدْرِي مَا هَذَا؟
فقالَ أَبُو بكرٍ: وَمَا هُو؟
فقالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإنسانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَا أُحْسِنُ الكَهَانَةَ إِلاَّ أنِّي خَدَعْتُهُ، فلَقِيَنِي فأَعطانِي لِذَلِك هَذَا الَّذي أَكَلْتَ منْهُ، فأَدْخَلَ أَبُو بكرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ) (4) .
(1) الأمر للندب، وليس للوجوب.
(2) الورع، كما في اللسان: التحرج، تورع عن كذا، أي تحرج، والورع في الأصل: الكف عن المحارم، ثم استعير للكف عن الشبهات وما يخرج للحرام. قال يونس: الورع: الخروج من كل شبهة، ومحاسبة النفس في كل طرفة عين. وقال سفيان الثوري: ما رأيت أسهل من الورع، ما حاك في نفسك فاتركه، هذا باختصار، وقال أبو بكر الجزائري: إن الورع هو ترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس، أو هو ترك المباح خشية الوقوع في الممنوع.
(3) شيء يجعله السيد على عبد، يؤديه كل يوم، وباقي كسبه يكون للعبد، كذا في رياض الصالحين 263.
(4) رواه البخاري (4/ 236) .