وفي روايَةٍ: (( فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ ) ) (1) فالعبدُ مَفطورٌ على قَبولِ الإسلامِ، ولكنْ يَجِبُ على الإنسانِ تَعَلُّمُ الإسلامِ بالفعلِ؛ لأنَّهُ قبلَ تعلُّمِهِ جاهلٌ لا يعلمُ، كما قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ مُخَاطبًا نبيَّهُ: {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى} [الضحى: 7] والمقصودُ بالآيَةِ: وَجَدَكَ غيرَ عَالِمٍ بما أعْطَاكَ مِن الكتابِ والحكمةِ. كما قالَ تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52] .
فالإنسانُ يُولَدُ مَفطورًا على قَبولِ الحقِّ، فإنْ هَدَاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ يَسَّرَ لهُ مَنْ يُعَلِّمُهُ الهدى فيصيرُ مَهْدِيًّا بالفعلِ بعدَ أنْ كانَ مَهْدِيًّا بالقُوَّةِ، وإنْ أرادَ أنْ يَخْذُلَهُ سلَّطَ عليْهِ مَنْ يُغَيِّرُ فِطْرَتَهُ فيُضِلُّهُ عن الصِّراطِ السَّوِيِّ، قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ) ) (2) .
الهدايَةُ الْمُجْمَلَةُ إلى الإسلامِ والإيمانِ هذهِ حاصلةٌ لكلِّ مُؤْمِنٍ.
والهدايَةُ المُفَصَّلَةُ، وهيَ مَعْرِفةُ تفاصيلِ أجزاءِ الإيمانِ والإسلامِ، وإعانةُ اللهِ العبدَ على فعلِ ذلكَ، هذهِ الهدايَةُ يحتاجُهَا المؤمنُ ليلاً ونَهارًا؛ لذلكَ أَوْجَبَ اللهُ علينا سُؤَالَهَا في كلِّ رَكعةٍ مِن الصَّلواتِ المفروضةِ، قالَ تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] .
والأدلَّةُ الَّتي تَدُلُّ على مشروعيَّةِ طلبِ هدايَةِ التَّوفيقِ والإعانةِ كثيرةٌ في السُّنَّةِ.
ويَجبُ على المسلمِ معَ الدُّعاءِ بطَلبِ الهدايَةِ أنْ يُجاهدَ نفسَهُ على أَخْذِ الأسبابِ المُوصِلَةِ لها.
(1) المصدر السابق.
(2) انظر صحيح الجامع [4435] .