فهرس الكتاب
وهذا مرضٌ عظيمٌ نادرٌ أن يسلمَ منه عبدٌ، وذلك أنَّ الإنسانَ يكرهُ أن يفوقَهُ أحدٌ في شيءٍ، فيجبُ علَى المسلمِ أن يَسعَى لتزكيَةِ نفسِهِ مَن هذا الدَّاءِ الخبيثِ.
والحسدُ حرامٌ، وذلك لقولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَلاَ تَحَاسَدُوا ) ).
والحكمةُ في تحريمِهِ: أنَّهُ اعتراضٌ علَى اللهِ عزَّ وجلَّ، فلسانُ حالِ الحاسدِ يقولُ: كيفَ تَنعمُ يا ربُّ علَى فلانٍ بجاهٍ أو مالٍ أو نعمةٍ ولم تنعِمْ عليَّ؟ لذلك أَنْشَدَ بعضُهُم (1) :
ألاقلْ لمن ظَلَّ لي حاسداً ** أتدرِي علَى مَن أسأتَ الأدبْ
أسأْتَ على اللهِ في حُكمِهِ ** لأنَّكَ لم ترضَ لي ماوَهَبْ
فأخزاكَ ربِّي بأن زادَنِي ** وسدَّ عليك وُجوهَ الطَّلبْ
وقالَ القرطبيُّ: (لأنَّ فيهِ تسفيهَ الحقِّ سبحانَهُ، وأنَّهُ أنعمَ علَى مَن لا يَستحقُّ) (2) .
1 -فمن الحسَّادِ مَن يسعَى لزوالِ النِّعمةِ عن المحسودِ، وذلك بالبَغْيِ عليهِ بالقولِ أو الفعلِ، ثمَّ يسعَى لنقلِ ذلك لنفسِهِ.
2 -ومنهم مَن يسعَى لزوالِ النِّعمةِ عن المحسودِ بقولِهِ وفعلِهِ مَن غيرِ نقلِهَا إلَى نفسِهِ، وهذا مِن أخبثِهِمَا.
3 -ومنهم مَن إذا حسدَ أخاهُ لم يعملْ بمقتضَى حسدِهِ ولم يبغِ علَى المحسودِ بقولٍ أو فعلٍ، وهذا له حالتانِ:
أ - أن يكونَ مغلوبًا علَى أمرِهِ في هذا الدَّاءِ، وهذا لا يأثَمُ.
ب - أن يحدِّثَ نفسَهُ بالحسدِ اختيارًا ويكونَ مُسْتَرْوِحًا بذلك، دونَ أن يُحاسِبَ نفسَهُ ويُؤَنِّبَهَا علَى ذلك، وهل يعاقَبُ علَى ذلكَ؟
(1) تفسير القرطبي (5/ 251) ، والشعر نسبه القرطبي إلى منصور الفقيه.
(2) تفسير القرطبي (2/ 71) .