فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 364

فممَّا دعا إليهِ أنبياءُ اللهِ السَّابقونَ العبادَ التَّخلُّقُ بِخُلُقِ الحياءِ، وهنا تَزدادُ أهمِّيَّةُ هذهِ الحكمةِ العظيمةِ الَّتي أمَرَنا رسولُنَا أنْ نَتَخَلَّقَ بها.

قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ ) ).

للعلماءِ في مفهومِ أمْرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقوالٌ؛ منها:

1 -الأمرُ للتَّهديدِ والوعيدِ، فيكونُ المعنى: إذا لمْ يكُنْ عندَكَ حياءٌ فاعملْ ما شِئْتَ؛ فإنَّكَ مُعَاقَبٌ مُجازًى على صَنيعِكَ، وقدْ يكونُ في الدُّنيا أو الآخرةِ أوْ في كِلاهُما.

وقدْ وَرَدَ في الذِّكْرِ الحكيمِ مثلُ هذا السِّياقِ، قالَ تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] .

2 -الأمرُ للإباحةِ، فيكونُ المعنى: إذا أَقْدَمْتَ على أمْرٍ فلمْ تَستحِ مِنْ صَنيعِهِ من اللهِ ولا رسولِهِ ولا النَّاسِ فافْعَلْهُ؛ فإنَّهُ يُباحُ لكَ ذلكَ.

قالَ النَّوويُّ: (الأَمرُ فيهِ للإباحَةِ؛ أيْ: إذا أَرَدْتَ فعلَ شيءٍ فإنْ كانَ ممَّا لا تَسْتَحِي إذا فَعَلْتَهُ مِن اللهِ ولا من النَّاسِ فَافْعَلْهُ، وإلاَّ فلا) (1) .

3 -الأمرُ للإخبارِ، فيكونُ المعنى: أنَّ المانعَ مِنْ فعلِ ما يَشِينُ العبدَ هوَ الحياءُ، فمَنْ فَقَدَهُ انْهَمَكَ في معاصي اللهِ عزَّ وجلَّ.

ومثلُ ذلكَ قولُهُ: (( فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) ) (2) فالأمرُ هنا؛ أيْ: تَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ نارِ جهنَّمَ. وهنا كلامٌ جميلٌ للخَطَّابِيِّ، ونصُّهُ: (الحكمةُ في التَّعبيرِ بلفظِ الأمْرِ دونَ الخبرِ في الحديثِ أَنَّ الَّذي يَكُفُّ الإنسانَ عنْ موافقةِ الشَّرِّ هوَ الحياءُ، فإذا تَركَهُ صارَ كالمأمورِ طبعًا بارْتِكَابِ كلِّ شرٍّ) (3) .

(1) الفتح (3/ 139) .

(2) مختصر البخاري ص 38، مختصر مسلم كتاب العلم ص 492 / وغيرهما.

(3) الفتح (3/ 139) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت