فهرس الكتاب
فمعنَى قولِهِ عندَ هؤلاء (( وَلاَ تَنَاجَشُوا ) ): أي لا تَخْدَعُوا بعضَكم، ولا يَخْتَلْ بعضُكُم بعضًا بالمكرِ والاحتيالِ.
وهذا الفهمُ تَشهدُ له نصوصٌ أُخرَى، منها قولُهُ: (( مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ) ) (1) .
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: {وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] .
فمَن مكرَ بإخوانِهِ فعاقبةُ مكرِهِ وخداعِهِ سوفَ تنزلُ به، وممَّا قيلَ قديمًا: (مَن حفرَ لأخيهِ حفرةً وقعَ فيها) .
وقالَ القرطبيُّ معقِّبًا علَى هذه الآيَةِ: (وفي هذا أبلغُ تحذيرٍ مِن التَّخلُّقِ بهذه الأخلاقِ الذَّميمةِ) (2) .
ولكنْ ممَّا يَنْبَغِي التَّنبيهُ عليهِ أنَّ المكرَ والخداعَ في الكفَّارِ المخادِعِينَ للهِ ولرسولِهِ وللمؤمنينَ يجوزُ ولا حرجَ علَى المؤمنينَ في ذلك، ويشهدُ لذلك قولُهُ عليهِ السَّلامُ: (( الْحَرْبُ خُدْعَةٌ ) ).
قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَلاَ تَبَاغَضُوا ) )، نُهِينَا أن نَقعَ بأسبابِ التَّباغضِ؛ لأنَّهُ نقيضُ الحبِّ الَّذي أمرَنَا الإسلامُ بهِ، وهو لغيرِ اللهِ عزَّ وجلَّ يكونُ حرامًا.
-حرَّمَ الإسلامُ كلَّ ما يُفضِي إلَى البغضاءِ، قالَ تعالَى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91] وفي الآيَةِ دليلٌ علَى أنَّ كلَّ ما ينشرُ البغضاءَ بينَ المسلمينَ حرامٌ، كما حرَّمَ الغيبةَ والنَّميمةَ والظُّلمَ والغشَّ؛ لأنَّ كلَّ هذا يعكِّرُ صفوَ الأخوَّةِ، وينشرُ الشَّحناءَ والبغضاءَ بين المسلمينَ، وأمرَ بكلِّ ما يفضِي إلَى المحبَّةِ، بل رخَّصَ في الكذبِ عندَ الإصلاحِ بينَ النَّاسِ.
(1) شرح مسلم كتاب الإيمان (1/ 299) .
(2) تفسير القرطبي (14/ 360) .