فهرس الكتاب
ذهب عطاء وغيره (1) : أن الأعمال الصالحة تمحو الصغائر فقط، بل اعتبر بعضهم اجتناب الكبائر شرط في تكفير الصغائر، لأنه إذا كانت الأعمال الصالحة تكفر الذنوب صغيرها وكبيرها إذن لم يحتج إلى التوبة ومعلوم أن التوبة واجبة، والواجب لا بد وأن يؤدى بنية وقصد.
كما لو كفرت الكبائر بأداء الفرائض، لم يبق أحد له ذنب يدخل فيه النار.
ومن أقوى ما استدل به من ذهب إلى هذا القول قوله - صلى الله عليه وسلم: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ» (2) واجتناب الكبائر شرط لتكفير الصغائر، هذا قول جمهور أهل السنة.
قال قتادة: إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر (3) .
وقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ فَهُوَ إِلَى اللهِ؛ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» (4) .
وهذا فيه دليل على أن إقامة الفرائض لا تكفر الكبائر، فلا بد من توبة صادقة من الكبائر حتى يغفرها الله بمحوها.
قال ابن رجب: وَالْأَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - أَعْنِي مَسْأَلَةَ تَكْفِيرِ الْكَبَائِرِ بِالْأَعْمَالِ - أَنَّهُ أُرِيدَ أَنَّ الْكَبَائِرَ تُمْحَى بِمُجَرَّدِ الْإِتْيَانِ بِالْفَرَائِضِ، وَتَقَعُ الْكَبَائِرُ مُكَفَّرَةً بِذَلِكَ كَمَا تُكَفَّرُ الصَّغَائِرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، فَهَذَا بَاطِلٌ. وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ قَدْ يُوَازِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ الْكَبَائِرِ وَبَيْنَ بَعْضِ الْأَعْمَالِ، فَتُمْحَى الْكَبِيرَةُ بِمَا يُقَابِلُهَا مِنَ الْعَمَلِ، وَيَسْقُطُ الْعَمَلُ، فَلَا يَبْقَى لَهُ ثَوَابٌ، فَهَذَا قَدْ يَقَعُ (5) .
(1) جامع العلوم والحكم ص 159.
(2) مختصر مسلم بتحقيق الألباني ص 12.
(3) جامع العلوم والحكم ص 160.
(4) معنا لا لفظا في البخاري كتاب الإيمان 1/ 10.
(5) جامع العلوم والحكم ص 164.