فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 364

وَقَالَ ابنُ تيمِيَّةَ كذلِكَ: (مَعْرِفةُ سَبَبِ النُّزولِ تُعينُ عَلَى مَعْرِفةِ الآيَةِ؛ فإنَّ العِلْمَ بالسَّببِ عِلْمٌ بالمُسَبَّبِ) (1) .

وَكَذَلِكَ معرفةُ سَبَبِ صدورِ الْحَدِيثِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعِينٌ عَلَى فَهْمِهِ.

1 -قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّما الأَعْمَالُ ) )هَذَا التَّركيبُ يفيدُ الْحَصْرَ، وَذَلِكَ لوُجودِ (إنَّما) حَيْثُ هِيَ مِنْ صِيَغِ الْحَصْرِ (2) ؛ ولأنَّ (الأعمالَ) جَمْعٌ مُحَلًّى باللامِ، وهذَا يُفيدُ الاستغراقَ المُستَلْزِمَ للقَصْرِ.

وهذَا فَهْمُ ابنِ عباسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ التَّراكيبِ، كمَا فِي: (( إِنَّمَا الرِّبَا بِالنَّسِيئَةِ ) )، وَلَم يُعارَضْ مِن قِبَلِ الصَّحابةِ فِي فَهْمِهِ لِهَذَا التَّركيبِ للحَصْرِ، وإنَّمَا عُورِضَ بدليلٍ آخَرَ يَقْتَضِي التَّحريمَ.

-قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: (وَفِي ذَلِكَ اتِّفَاقٌ علَى أنَّهَا للحَصْرِ) (3) .

ومعنَى الْحَصْرِ فِيهَا:

(إِثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي المذكورِ، ونفيُهُ عمَّا عدَاهُ) . 2 - تأتي (إِنَّما) فتفيدُ: - الْحَصْرَ الْمُطْلقَ.

-وتارةً تَقْتَضِي حَصْرًا مخصوصًا.

ويُفهَمُ ذَلِكَ بالقرائنِ والسِّياقِ.

فمَثَلًا: قولُهُ جلَّ وَعَلا: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} [الرعد: 7] الظَّاهرُ مِنَ الآيَةِ: حَصْرُ مِهْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالنَّذارةِ، وَالأَمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فالرَّسولُ لا تَنْحَصِرُ مهمَّتُهُ بالنَّذارَةِ، بَلْ لَهُ أوصافٌ أخرَى، كالْبِشارةِ وغيرِهَا.

وَكَذَلِكَ: قولُهُ: (( إِنَّما أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ) ) (4) ، فمعناهُ: حَصْرُ البشرِيَّةِ مِن حَيْثُ الاطِّلاعُ عَلَى بَوَاطِنِ الأُمُورِ، لا فِي كلِّ شَيْءٍ.

(1) المصدر السابق.

(2) الحصر: أسلوب من أساليب البلاغة عند العرب، وهو تخصيص أمر بآخر بطريق مخصوص، وله قواعد، انظر كتاب البلاغة الواضحة لعلي الجارم، وأمين مصطفى ص 216، والحصر في اللغة ضيق الصدر، ومن معانيه كذلك الحبس، نقول: حصره المرض عن السفر، أي حبسه.

(3) أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (1/ 64) .

(4) الجامع الصحيح للألباني 2338.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت