ثمَّ قالَ: (( أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟ ) )قالُوا: واللهِ لو كانَ حَيًّا كانَ عَيبًا فيهِ لأنَّهُ أَسَكُّ، فكيفَ وهو ميتٌ؟ فقالَ: (( فَوَاللهِ لَلدُّنَيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ ) ) (1) .
وروَى أيضًا عن الْمُسْتَوْرِدِ الْفِهْرِيِّ، عنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ كَمَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَا يَرْجِعُ ) ) (2) .
الزُّهدُ المُخالِفُ للسُّنَّةِ لا خيرَ فيهِ، يظلمُ القلوبَ ويُعمِيهَا، ويشوِّهُ جمالَ الدِّينِ الَّذي ارتضاهُ اللهُ لعبادِهِ، وينفِّرُ العبادَ مِن دينِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ويهدمُ الحضارةَ، ويمكِّنُ أعداءَ اللهِ مِن أمَّةِ الإسلامِ، ويهدرُ كرامةَ الإنسانِ، ويجعلُ العبدَ مستعبَدًا لغيرِ اللهِ، وينشرُ الجهلَ، وإليكَ بعضَ مقالاَتِ دعاةِ الزُّهدِ المبتدَعِ المخالِفِ لِهَدْيِ السَّماءِ:
1 -قالَ الْجُنَيْدُ: (أُحبُّ للمبتدئِ ألاَّ يَشغلَ قلبَهُ بهذه الثَّلاثِ وإلا تغيَّرَتْ حالُهُ: التَّكسُّبِ، وطلبِ الحديثِ، والتَّزوُّجِ، وأحبُّ للصُّوفيِّ أنْ لا يقرأَ، ولا يكتبَ، لأنَّهُ أجمعُ لهمِّهِ) (3) .
2 -وقالَ أبو سليمانَ الدَّارانيُّ: (إذا طلبَ الرَّجلُ الحديثَ، أو سافرَ في طلبِ المعاشِ، أو تزوَّجَ فقدْ ركنَ إلَى الدُّنْيا) (4) .
ومعلومٌ أنَّ كلَّ الحضاراتِ لا تقومُ إلاَّ علَى العلمِ والكسبِ والزَّواجِ، وحضارةُ الإسلامِ ما قامَتْ إلاَّ علَى هذا، أَمرَتْ بالكسبِ، قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ) ) (5) .
(1) شرح مسلم كتاب الزهد (5/ 814) .
(2) انظر صحيح الجامع [5423] .
(3) قوت القلوب (3/ 135) .
(4) الفتوحات المكية (1/ 37) .
(5) البخاري كتاب البيوع (3/ 8) .