فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 364

والنَّصرُ الَّذي وَعَدَ بهِ رسولُنَا يَشملُ الجهادَيْنِ كما قالَ ابنُ رجبٍ: (يَشْمَلُ النَّصرَ في الجهادَيْنِ؛ جِهادَ العدوِّ الظَّاهرِ وجهادَ العدوِّ الباطنِ(1) ، فمَنْ صَبَرَ فيهما نُصِرَ وظَفِرَ بعَدُوِّهِ، ومَنْ لمْ يَصْبِرْ فيهما وجَزَعَ قُهِرَ وصارَ أسيرًا لعَدُوِّهِ أوْ قَتيلاً لهُ) (2) .

قالَ عُمَرُ لأشياخٍ مِنْ بني عَبْسٍ: (بِمَ قاتَلْتُم النَّاسَ؟ قالُوا: بالصَّبرِ، لمْ نَلْقَ قومًا إلاَّ صَبَرْنَا لهم كما صَبَرُوا لنا) .

قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ ) )قدْ تَتوالَى الْمَصَائِبُ والفِتَنُ والْمِحَنُ على الْمُسْلِمِ، وتَشتدُّ عليهِ الأمورُ وتَضيقُ عليهِ الدُّنيا، ويَتمكَّنُ منهُ الْحُزْنُ والْغَمُّ، فإذا احْتَسَبَ وصَبَرَ وعَلِمَ أنَّ ما أَصابَهُ بقضاءِ اللهِ وقَدَرِهِ، ولمْ يَيْأَسْ مِنْ رَوْحِ اللهِ، تَدارَكَتْهُ عِنايَةُ اللهِ وعَفْوُهُ ومَغْفِرَتُهُ ورَحمتُهُ، وجاءَ الفَرَجُ، وإنَّكَ لَتَجِدُ كثيرًا مِن العِبَرِ في الكتابِ، قالَ تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] . انْصَبَّ البلاءُ على مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصحبِهِ يومَ الأحزابِ صَبًّا، خوفٌ وجُوعٌ وبَرْدٌ ومشقَّةٌ، وصمَدَ الرِّجالُ، وعلى رَأْسِهِمْ سيِّدُ ولدِ آدمَ في مَيْدَانِ البلاءِ والمحنةِ كالصَّخرةِ الصَّمَّاءِ، ومِنْ خلالِ هذهِ المحنِ والكروبِ جاءَ نصرُ اللهِ وتأييدُهُ لهُمْ.

قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) )مأخوذٌ منْ قَوْلِهِ عزَّ وجلَّ: {سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7] .

وقولِهِ: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5 - 6]

(1) العدو الباطن: الشيطان والنفس والهوى.

(2) جامع العلوم والحكم 186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت