أو تتوقَّفُ علَى رسمٍ، أو تتعلَّقُ بأمرٍ، أو توصَفُ بوصفٍ، ومعنَى هذا الكلامِ أنَّهُ يشهدُ إقامةَ اللهِ له حتَّى قامَ، ومحبَّتَهُ له حتَّى أحبَّهُ، ونظرَهُ إلَى عبدِهِ حتَّى أقبلَ ناظرًا إليهِ بقلبِهِ).
وحَمَلَهُ بعضُ أهلِ الزَّيغِ علَى ما يدَّعُونَهُ مِن أنَّ العبدَ إذا لازمَ العِبادةَ الظَّاهرةَ والباطنةَ حتَّى يصفَى مِن الكدوراتِ أنَّهُ يَصيرُ في معنَى الحقِّ - تعالَى اللهُ عن ذلِكَ - وإنَّهُ يفنَى عن نفسِهِ جملةً حتَّى يَشهدَ أنَّ اللهَ هو الذَّاكرُ لنفسِهِ، الموحِّدُ لنفسِهِ، المحبُّ لنفسِهِ، وأنَّ هذه الأسبابَ والرُّسومَ تصيرُ عدمًا صرفًا في شهودِهِ، وإنْ لم تعدَمْ في الخارجِ (1) .
وفهمُ هؤلاءِ أعوجُ سقيمٌ لا حجَّةَ لهم بهِ، مخالفٌ لنصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ الظَّاهرةِ، كما أنَّ قولَهُ: (( وإن سألني ) )صريحٌ بالرَّدِّ علَى هوسِهِم وتَخَبُّطِهِم وضَلاَلِهِم.
قولُهُ: (( وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ ) )، فالحديثُ يَدُلُّ علَى أنَّ وليَّ اللهِ مستجابُ الدَّعوةِ، وكانَ كثيرٌ مِن الصَّحابةِ مجابَ الدَّعوةِ، مثلُ الْبَرَاءِ بنِ مالكٍ، والْبَرَاءِ بنِ عازبٍ، وسعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، وسعيدِ بنِ زيدٍ.
عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ رَضِي اللهُ عَنْهُما قالَ: (شكَا أهلُ الكوفةِ سعدًا - يعني ابنَ أبي وقَّاصٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ - إلَى عمرَ بنِ الخطَّابِ رَضِي اللهُ عَنْهُ، واستعملَ عليهِمْ عمَّارًا؛ فشكَوا حتَّى ذكرُوا أنَّهُ لا يُحْسِنُ يصلِّي: فأَرسَلَ إليهِ؛ فقالَ:(يا أبا إسحاقَ، إنَّ هؤلاءِ يزعمونَ أنَّكَ لا تحسنُ تصلِّي) .
فقالَ: (أمَا أنَا واللهِ فإنِّي كنتُ أصلِّي بهم صلاةَ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا أخرجُ عنهَا، أصلِّي صلاةَ العشاءِ فأركُدُ في الأُولَيَيْنِ، وأَخِفُّ في الأُخْرَيَيْنِ)
قالَ: قالَ: (ذلكَ الظَّنُّ بكَ يا أبا إسحاقَ) وأرسلَ معَهُ رجلاً - أو رجالاً - إلَى الكوفةِ يَسألُ عنهُ أهلَ الكوفةِ، فلم يدعْ مسجدًا إلاَّ
(1) الفتح (14/ 129 - 130) .