النَّاسُ أمامَ الْمُتَشَابِهِ ضَرْبَانِ:
1 -فمِنهُمْ مَن يَتْرُكُهُ ابتغاءَ مَرضاةِ اللَّهِ، وَتَحَرُّزًا مِن الإثمِ، وَذَلِك لاشتباهِهِ عَلَيْهِم، وعدَمِ وُضوحِ الْحُكْمِ فِيهِ، وهؤلاءِ بتَرْكِهِم الْمُتَشَابِهَ طَلَبُوا السَّلامةَ لدِينِهِم، والبَرَاءَ لأعراضِهِمْ مِن الطَّعْنِ.
والعِرْضُ: كما قَالَ عُلماؤُنا هُو مَوْضِعُ الْمَدْحِ والذمِّ مِن الإِنْسَانِ، وَمَا يَحْصُلُ لَه بذِكرِهِ بالجميلِ مَدْحٌ، وبِذِكرِهِ بالقبيحِ قَدْحٌ.
وَقَد يَكُونُ:
-تارةً: فِي نَفْسِ الإِنْسَانِ.
-وتارةً: فِي سَلَفِهِ أَو أهلِهِ (1) .
وَهَذَا مَعْنَى قولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (( فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ) ).
2 -ومنهم: مَن يَقَعُ فِي الْمُتشابِهِ مِن حَيْثُ هُو مُتشابِهٌ عِنْدَ النَّاسِ لا عندَهُ، وَذَلِك لاتِّضاحِ الْحُكْمِ لَه فِي القضيَّةِ فهذا لا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي وُقوعِهِ، وَلَكِنْ إِنْ تَرَكَهُ حِفاظًا لعِرْضِهِ مِن النَّاسِ فهذا حَسَنٌ ومَمْدُوحٌ، فالمسلمُ مطالَبٌ بالحفاظِ عَلَى سَلامةِ عِرْضِهِ، ويَشْهَدُ لِذَلِك قولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَن رآه واقِفًا مَع صَفِيَّةَ: (( إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ) ) (2) .
ومنهم: مَنْ يَقَعُ فِي الْمُتشابِهِ -مَع أنَّهُ مُشْتَبِهٌ عَلَيْهِ- اتِّباعًا لهواهُ، فهذا حُكْمُهُ أنَّهُ وَقَعَ فِي الحرامِ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( ومَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ ) ) (3) .
وفَسَّرَ الْعُلَمَاءُ الوُقوعَ فِي الحرامِ بِمَعْنَيَيْنِ:
1 -أنْ يَكُونَ ارتكابُهُ للشُّبَهِ -مَع اعتقادِهِ أَنَّهَا شُبَهٌ- ذريعةً للوُقوعِ فِي الحرامِ، وَذَلِك بالتَّدرُّجِ والتَّسامحِ.
(1) من جامع العلوم والحكم 68.
(2) مختصر البخاري ص 465 / مختصر مسلم 1437 ص 378.
(3) صحيح الجامع رقم 3188.