فهرس الكتاب
3 -مُسمَّى المكروهِ؛ لأنَّهُ يَجْتَذِبُهُ جانبَا الفعلِ والتَّركِ (1) ، ويَرَى الحافظُ أنَّ هَذَا التَّفسيرَ مُحتَمَلٌ وخاصَّةً فِي حقِّ العُلماءِ، لِذَلِك قَالَ: (فالعالِمُ الفَطِنُ لا يَخْفَى عَلَيْهِ تَمَيُّزُ الْحُكمِ، فَلا يَقعُ لَه ذَلِك إِلا فِي الاستكثارِ مِن الْمُباحِ أَو الْمَكروهِ، كَمَا تَقرَّرَ قَبْلُ، ودُونَهُ تقعُ لَه الشُّبهَةُ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ بِحَسَبِ اختلافِ الأَحْوَالِ، وَلا يَخْفَى أنَّ الْمُسْتَكْثِرَ مِن الْمَكروهِ تَصيرُ فِيهِ جُرأةٌ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ فِي الجملةِ، أَو يَحْمِلُهُ اعتيادُهُ ارْتِكَابَ الْمَنْهيِّ غَيْرِ المحرَّمِ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَنهيِّ الْمُحَرَّمِ إِذَا كَان مِن جنسِهِ، أَو يَكُونُ ذَلِك لشُبهةٍ فِيهِ، وَهُو إِنْ تَعاطَى مَا نُهِيَ عَنْه يَصيرُ مُظْلِمَ القلبِ لفُقدانِ نُورِ الوَرَعِ فيَقعُ فِي الحرامِ، وَلَو لَم يَخْتَرِ الوُقوعَ فِيهِ) .
ووَقَعَ عِنْدَ الْمُصنِّفِ فِي البُيوعِ، مِن روايَةِ أَبِي فَرْوَةَ، عَن الشَّعبيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: (( فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ كَانَ لِمَا لَهُ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثمِ أَوْشَكَ أَنْاسْتَبَانَ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ ) ).
وَهَذَا يُرَجِّحُ الْوَجْهَ الأوَّلَ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ.
4 -الْمُبَاحُ: وَلا يُمْكِنُ لقائلِ هَذَا أَنْ يحملَهُ عَلَى متساوي الطَّرفينِ مِن كلِّ وَجْهٍ، بَلْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا يَكُونُ مِن قِسمِ خِلافِ الأَوْلَى، بِأَنْ يَكُونَ مُتساويَ الطَّرفينِ بِاعْتِبَارِ ذاتِهِ، راجحَ الفعلِ أَو التَّرْكِ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجٍ.
قَالَ القباريُّ: (والمباحُ عَقَبَةٌ بَيْنَ المكروهِ، فمَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْه تَطرَّقَ إِلَى المكروهِ) .
والمعنَى: أنَّ الحلالَ حَيْثُ يُخْشَى أَنْ يَؤُولَ فِعْلُهُ مُطْلَقًا إِلَى مكروهٍ أَو مُحَرَّمٍ يَنْبَغِي اجتنابُهُ: كالإكثارِ مَثَلاً مِن الطَّيبِّاتِ فإنَّهُ يُحْوِجُ إِلَى كَثْرَةِ الاكتسابِ الْمُوقِعِ فِي أَخْذِ مَا لا يَسْتَحِقُّ، أَو يُفْضِي إِلَى بَطَرِ النَّفسِ، وأَقَلُّ مَا فِيهِ: الاشتغالُ عَن مَواقِفِ العُبُودِيَّة (2) .
والَّذي أَمِيلُ إِلَيْهِ مَا رَجَّحَهُ الحافِظُ؛ لأنَّهُ مُوافقٌ لمفهومِ الْمُشْتَبِهاتِ، أمَّا الأقوالُ الأُخْرَى فالَّذي يَظْهَرُ لِي أنَّها بَعيدةٌ عَن الْمُرادِ، وَاللَّهُ أعلمُ.
(1) نقل ابن المنير في مناقب شيخه القباري عنه أنه قال: المكروه عقبة بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام.
(2) الفتح (1/ 145 - 146) .