فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 364

قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) ). أي: مَن أَنْشَأَ واخْتَرَعَ فِي دِينِ اللَّهِ، وشَرْعِهِ الَّذي رَضِيَهُ لَنَا مِن قِبَلِ هواهُ ونفسِهِ، ممَّا يُنافِي الدِّينَ ويُناقِضُهُ وَلا يَشْهَدُ لَه مِن أُصولِ الدِّينِ وقواعدِهِ العامَّةِ، فهذا الَّذي اخْتَرَعَهُ وأَنشأَهُ مَردودٌ عَلَى صاحبِهِ، لا يَنتفعُ بِه فِي دِينِهِ ودُنياهُ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِك مَنْطُوقُ الْحَدِيثِ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذي يُؤَصِّلُ هَذِه القاعدةَ العظيمةَ يَشهدُ لَه مِن الْكِتَابِ والسُّنَّةِ الكثيرُ، مَا يَطولُ بِه الْمَقامُ لَو ذَكَرْنَاهُ.

الأصلُ فِي العباداتِ التَّحريمُ، فكلُّ عبادةٍ لَم يَشْرَعْهَا اللَّهُ وَلا رسولُهُ يحرُمُ عَلَى المسلمِ أَنْ يَتقرَّبَ بِهَا، وَعَلَى ضوءِ هَذِه القاعدةِ الَّتي أصَّلَها علماؤُنا فكلُّ مَن تقرَّبَ بعبادةٍ فعليهِ أَنْ يُثْبِتَ دَلِيلَ مشروعيَّتِهَا لِمَن طَالَبَهُ بِذَلِك.

ولكنْ مِنْ حَيْثُ الردُّ وَعَدَمُ القَبولِ لا بدَّ مِن بَيَانِ الآتي:

1 -ما كَانَ قُربةً فِي عِبادةٍ لا يَكُونُ قُربةً فِي كلِّ المواطنِ.

فمثلاً: كَشْفُ الرَّأسِ أثناءَ الإحرامِ قُربةٌ مشروعةٌ، وَالْقِيَامُ قُربةٌ مشروعةٌ أثناءَ الصَّلاةِ والآذانِ، وَلَكِنْ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَقَرَّبَ بالقيامِ، أَو كَشْفِ الرَّأسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَم يَثْبُتْ بنَصٍّ؛ يَكُونُ بِذَلِك وَقَعَ فِي الابتداعِ الَّذي نَهَى عَنْه الدِّينُ، وَيَكُونُ عملُهُ مَردودًا عَلَيْهِ غَيْرَ مَقبولٍ.

رأَى النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلاً قائمًا فِي الشَّمسِ، فسألَ عَنْه، فقيلَ: (إِنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلا يَقْعُدَ، وَلا يَسْتَظِلَّ، وَأَنْ يَصُومَ، فَأَمرَهُ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْعُدَ ويَسْتَظِلَّ، وَأَنْ يَصومَ) ، فلم يَجعلِ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القيامَ وبُروزَهُ للشَّمسِ قُربةً، يَجِبُ الإيفاءُ بِهَا.

(1) انظر إرواء الغليل (8/ 218) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت