فهرس الكتاب
وقلَّةَ النَّومِ والجوعَ، قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ) ) (1) .
7 -البعدُ عنْ أسبابِ الغضبِ.
مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ من النَّاسِ الَّذين مَنَّ اللهُ عليهم بالتَّخلُّصِ من الغضبِ المذمومِ، فأُعْطِيَ الْحِلْمَ والتُّؤَدَةَ وسَعَةَ الصَّدرِ، فحاولَ بعضُ الأعرابِ أنْ يُغضِبَهُ وبَذَلَ ما في وُسْعِهِ، ولكنَّهُ لمْ يُفلِحْ.
وإليكَ هذا الْمَوقفَ (2)
تَذَاكَرَ جماعةٌ فيما بينَهم آثارَ مَعْنٍ (3) وأخبارَ كَرَمِهِ، مُعْجَبِينَ بما هوَ عليهِ من التُّؤَدَةِ وَوَفْرَةِ (4) الحِلْمِ ولِينِ الجانبِ، وغالَوْا في ذلكَ كثيًرا.
فقامَ أعرابيٌّ وأَخَذَ على نفسِهِ أنْ يُغضبَهُ، فأَنْكرُوا عليهِ، ووَعَدُوهُ مِائَةَ بعيرٍ إنْ هوَ فعلَ ذلكَ.
فعَمَدَ (5) الأعرابيُّ إلى بعيرٍ فسَلَخَهُ، وارْتَدَى بإهابِهِ (6) واحْتَذَى (7) ببَعْضِهِ جاعلاً باطِنَهُ ظاهرًا، ودَخلَ عليهِ بصُورَتِهِ تلكَ، وأَنْشَأَ يقولُ:
أَتَذْكُرُ إذْ لِحافُكَ جِلْدُ شاةٍ وإذْ نَعْلاكَ مِنْ جِلْدِ البَعيرِ
قالَ مَعْنٌ: (أَذْكُرُهُ ولا أَنْسَاهُ) .
فقالَ الأعرابيُّ:
فَسُبْحَانَ الَّذي أعطاكَ مُلكًا وعَلَّمَكَ الجلوسَ على السَّريرِ
فقالَ مَعْنٌ: (إنَّ اللهَ يُعِزُّ مَنْ يَشاءُ ويُذِلُّ مَنْ يَشاءُ) .
فقالَ الأعرابيُّ:
فَلَسْتُ مُسَلِّمًا إنْ عِشْتُ دَهرًا على مَعْنٍ بتسليمِ الأميرِ
(1) البخاري كتاب الأدب (7/ 102) .
(2) منقول هذا الموقف من كتاب رجال ومواقف لمؤلفه فايز موسى أبو شيخه.
(3) من أشهر أجواد العرب، أدرك العصرين: الأموي والعباسي، ولاه المنصور إمارة سجستان، فأقام بها، ثم قتل بها غيلة سنة 151 هـ.
(4) كثرة.
(5) عمد إلى الشيء: قصد إليه.
(6) الإهاب: الجلد ما لم يدبغ.
(7) احتذى: انتعل.