فهرس الكتاب
5 -يَنبغِي الْعِلْمُ بأنَّ الْعَبْدَ مكلَّفٌ ببَذْلِ السَّببِ، والنَّتائجُ بيدِ اللَّهِ، وَلَيْسَ كلُّ مَنْ بَذَلَ سَببًا مُعَيَّنًا، وَقَامَ بمثلِهِ آخَرُ يَصِلُ كِلاهما إِلَى نَفْسِ النَّتيجةِ، فقدْ يَسْعَى إنسانٌ ويَكْدَحُ وَلا يُحَصِّلُ مِن رِزْقِهِ إِلا القليلَ، ويَسْعَى آخَرُ بِجَهْدٍ قَلِيلٍ تَنْهالُ عَلَيْهِ الأموالُ والثَّرَواتُ، وَكَذَلِك قَدْ يَسْعَى الْعَبْدُ بالطَّاعةِ ويَشْقَى ويَنصَبُ وَلا يُوفَّقُ فِيهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} [الغاشية: 1 - 4] ، فهؤلاءِ مَعَ سَعيِهِم ونَصَبِهِمْ عاقبتُهُم سَيِّئَةٌ، فالنَّتائجُ بيدِهِ سبحانَهُ يُرَتِّبُها عَلَى الأعمالِ بِناءً عَلَى عَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ سبحانَهُ.
ثبتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّه قَالَ: (( احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلامُ عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى.
قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الأَرْضِ!!
قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلامِهِ، وَأَعْطَاكَ الأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّورَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟
قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا.
قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فيهَا: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} .
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟! )) .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى ) ).
حَجَّهُ؛ لأنَّ الإخراجَ مِنَ الجنَّةِ نَتِيجَةُ المعصيَةِ، والنَّتيجةُ مِن عندِهِ سبحانَهُ، أمَّا المعصيَةُ فقدْ وَقَعَتْ بإرادةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
هذه بَعْضُ الأُمُورِ الَّتي أراهَا مُهِمَّةً، ومُعِينَةً عَلَى فَهْمِ النُّصوصِ الَّتِي تَدورُ فِي فَلَكِ هَذِه القضيَّةِ.
(1) مختصر صحيح مسلم للألباني / 1842.