فهرس الكتاب
هذهِ مِن الْحِكَمِ النَّبويَّةِ الَّتي يَنْبَغِي أنْ تُحْفَظَ وتُنْشَرَ، وهيَ تَدْعُو إلى مَعْرِفَةِ اللهِ في الرَّخاءِ والأمْنِ والصِّحَّةِ والغِنَى والقُوَّةِ، وتكونُ معرفتُهُ بالمحافَظةِ على الواجباتِ وتَرْكِ المنهيَّاتِ وزيادةِ التَّقرُّبِ إليهِ بالنَّوافلِ. فَمَنْ عَرَفَ اللهَ في هذا الْمَقامِ عَرَفَهُ عندَما تَحِلُّ بهِ الشِّدَّةُ والضِّيقُ والفقرُ والمرضُ، وما أكثرَ همومَ الدُّنيا ومصائبَهَا.
ومَعرِفةُ اللهِ لهُ في هذا المقامِ تكونُ بإعانتِهِ وتَثبيتِهِ على الحقِّ ونُصْرَتِهِ وتأييدِهِ.
لقدْ عَرَفَ حبيبُنَا محمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ربَّهُ في الرَّخاءِ، فعَرَفَهُ في الغارِ، وعَرَفَهُ يومَ بدرٍ ويومَ الأحزابِ ونَصَرَهُ وثَبَّتَهُ وأَعْلَى رايَتَهُ.
وعَرَفَ يونسُ عليهِ السَّلامُ ربَّهُ في الرَّخاءِ فعَرَفَهُ في بَطْنِ الحوتِ ونَجَّاهُ وثَبَّتَهُ ونَصَرَهُ.
قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ ) )يَشْهَدُ لهذا من القرآنِ قولُهُ تَبارَكَ وتعالى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] . وقولُهُ: {وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66] الصَّبرُ خَصْلةٌ عَظيمةٌ، يَحتاجُها المسلمُ حتَّى يَستطيعَ أنْ يقومَ بأمرِ اللهِ تَبارَكَ وتعالى، فالبلاءُ الَّذي يُجريهِ اللهُ على عِبادِهِ بحاجةٍ إلى صَبْرٍ، وما يُلاقِي المسلمُ في طريقِ الدَّعوةِ مِنْ مِحَنٍ وأذًى بحاجةٍ للصبرِ، وتَركُ الشَّهواتِ والمحارمِ بحاجةٍ إلى صبرٍ؛ لأنَّ الشَّهواتِ والمعَاصِيَ تَشُدُّ النُّفوسَ إليها، والمعصومُ مَنْ عَصَمَهُ اللهُ، والمُحَافَظةُ على طاعةِ اللهِ بحاجةٍ إلى الصبرِ، ومُجاهدَةُ أعداءِ اللهُ بحاجةٍ إلى صبرٍ؛ لأنَّ الجهادَ فيهِ كثيرٌ من المشاقِّ والْمَكارِهِ؛ فالصَّبرُ عليها سببُ النَّصرِ وطريقُهُ، كما بيَّنَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.