حتَّى تكونَ الموعظةُ نافذةً إلَى القلوبِ، فتُحْيِيها مِن مَواتِهَا، كما يُحيِي المطرُ الأرضَ الْمَيِّتَةَ، كما قالَ تَعالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت: 39] .
لا بدَّ أنْ تصدرَ مِن واعظٍ يتَّصِفُ بالآتي:
1 -مؤمنٌ بكلامِهِ، متأثِّرٌ به حريصٌ علَى إيصالِهِ لمستمعيهِ، سألَ قومٌ عبدَ اللهِ بنَ المبارَكِ عن سببِ تأثُّرِهِم بهِ، وَعَدَمِ تأثُّرِهِم مِن غيرِهِ أثناءَ الوعظِ، قالَ: (النَّائِحَةُ الثَّكْلَى لَيْسَتْ كالنَّائِحَةِ الْمُسْتَأْجَرةِ) (1) ، وهذا يُؤَدِّي إلَى ظهورِ ذلك علَى مَلامِحِ وجهِهِ، ونبراتِ صوتِهِ وحركاتِهِ.
كانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا وَعظَ علا صوتُهُ، واحمرَّتْ عينَاهُ، وانتفخَتْ أَوداجُهُ، ويشيرُ بيديْهِ، حتَّى خشيَ عليهِ الصَّحابةُ أن يَسقطَ مِن منبرِهِ، لذلك كانتْ مواعظُهُ تَنْفُذُ إلَى قلوبِ أصحابِهِ، كما قالَ العرباضُ: (وَجِلَتْ منها القلوبُ) أي: خافَتْ، (ذرفَتْ منها العيونُ) أي: سالَتْ دموعُهَا.
2 -سلامةُ قلبِهِ مِن الأمراضِ، الَّتي يُبْتَلَى بها القلبُ، فسليمُ القلبِ يَنْفُذُ كلامُهُ إلَى القلوبِ، أمَّا مريضُ القلبِ فلا يَتجاوزُ الأُذُنَيْنِ، لذلك يَجِبُ علَى الواعظِ أن يَجْتَهِدَ علَى إصلاحِ نفسِهِ وقلبِهِ.
3 -أنْ يكونَ قدوةً صالحةً لسامعِيهِ بقولِهِ وفعلِهِ، وذلك أنَّ سامعيهِ سوفَ يَرْقبُونَ قولَهُ وفعلَهُ، فإذا وَجدُوهُ مخالِفًا لِمَا وَعَظَهُمْ به احتَقَرُوهُ، وأَعْرَضُوا عنه وعمَّا وَعَظَهُمْ بِهِ.