فهرس الكتاب
والعلماءُ عليهِمْ مَن الواجبِ ما ليسَ علَى غيرِهِم، وذلك أنَّهُمْ ورثةُ الأنبياءِ، فإذا تساهلُوا بهذهِ المهمَّةِ دخلَ النَّقصُ علَى الأمَّةِ، كما حدثَ لبني إسرائيلَ.
وأمَّا واجبُ الحكَّامِ في هذه المهمَّةِ فعظيمٌ؛ لأنَّ بيدِهِم الشَّوكةَ والسُّلطانَ الَّتي يرتدِعُ بها السَّوادُ الأعظمُ مَن النَّاسِ عن المنكرِ؛ لأنَّ الَّذينَ يتأثَّرونَ بالوعظِ قلَّةٌ.
وتقصيرُ الحكَّامِ بهذه المهمَّةِ طامَّةٌ كبرَى، حيثُ بسببِ ذلك يفشُو المنكَرُ، ويَجترِئُ أهلُ الباطلِ والفسوقِ بباطلِهِم علَى أهلِ الحقِّ والصَّلاحِ.
قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ ) )
إنكارُ المنكَرِ باليدِ واللسانِ سواءٌ كانَ فرضًا عينيًّا أو فرضَ كفايَةٍ يكونُ علَى حسبِ القدرةِ والاستطاعةِ، أمَّا إنكارُ المنكرِ بالقلبِ فمنَ الفروضِ العينيَّةِ الَّتي لا تسقطُ مهما كانتِ الحالُ، فالقلبُ الَّذي لا يعرفُ المعروفَ ولا يُنكِرُ المنكَرَ قلبٌ خرِبٌ خاوٍ مِن الإِيمانِ.
سمعَ ابنُ مسعودٍ رجلا يقولُ: هلَكَ مَن لم يأمُرْ بالمعروفِ ولم ينهَ عن المنكرِ؛ فقالَ ابنُ مسعودٍ: (( هلكَ مَن لم يعرفْ بقلبِهِ المعروفَ والمنكرَ ) )، يقصدُ رَضِي اللهُ عَنْهُ: معرفةُ المنكرِ والمعروفِ بالقلبِ واجبٌ لا يسقطُ عن أحدٍ، أمَّا باللسانِ واليدِ فوفقَ الاِستطاعةِ.
والرِّضَا بالمنكرِ مِن أقبحِ الذُّنوبِ والخطايا، ولا تبرأُ ذمَّةُ العبدِ بالإِنكارِ بالقلبِ حتَّى يعجزَ عن الإنكارِ باليدِ أو اللسانِ بسببِ ضرٍّ يلحقُهُ في بدنِهِ أو مالِهِ، ولا طاقةَ له علَى تحمُّلِ ذلك.
وإنكارُ المنكرِ بالقلبِ قليلُ الثَّمرةِ، بعكسِ التَّغييرِ باليدِ أو اللسانِ فإنَّهُ عظيمُ الفائدةِ.