فهرس الكتاب
لذلكَ قالَ شعيبٌ عليهِ السَّلامُ لقومِهِ: {وَمَا أُرِيدُ أنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88] ، وأَنْكَرَ ربُّنَا تَبارَكَ وتعالَى علَى أهلِ الكتابِ، الَّذينَ يَعِظُونَ غيرَهُم ولا يَتَّعِظُونَ، قالَ تَعالَى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44] .
كمَا بيَّنَ سبحانَهُ وتعالَى بأنَّهُ يبغِضُ منْ خَالفَ فعلُهُ قولَهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 3] .
قولُهُ رَضِي اللهُ عَنْهُ: (فقلْنا: يا رسولَ اللهِ، كأنَّهَا موعظةُ مودِّعٍ) قالَ ابنُ رجبٍ: يدلُّ علَى أنَّهُ كانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أبلغَ في تلكَ الموعظةِ ما لم يبلغْ في غيرِهَا، فلذلك فهمُوا أنَّهَا موعظةُ مودِّعٍ، فإنَّ المودِّعَ يستقصِي ما لم يستقصِ غيرُهُ في القولِ والفعلِ، ولذلك أمرَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يُصلَّى صلاةُ مودِّعٍ؛ لأنَّهُ مَن استشعَرَ أنَّهُ مودِّعٌ بصلاتِهِ أَتْقَنَهَا علَى أكملِ وجوهِهَا، وربَّما كانَ قد وقعَ منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تعريضٌ في تلكَ الخطبةِ بالتَّوديعِ، كما عرَّضَ بذلك في خطبةِ حجَّةِ الوداعِ، قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لاَ أَدْرِي لَعَلِّي لاَ أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هذَا ) ) (1) .
قولُ العِرْبَاضِ: (وَجِلَتْ منه القلوبُ، وذرفَتْ منها العيونُ) فيهِ دَلالةٌ علَى طِيبِ مَعْدِنِ الصَّحابةِ، وطهارةِ نفوسِهِم، وسلامةِ قلوبِهِم، واتِّعاظِهِم بكلامِ رسولِهِم، وخوفِهِم ووجلِهِم مِن كلامِ ربِّهِم، وهذه علامةُ الإيمانِ والاستقامةِ والصَّلاحِ.
قالَ تَعالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] .
(1) جامع العلوم والحكم، ص 241.