فهرس الكتاب

الصفحة 313 من 364

ففي الحديثِ دَلالةٌ علَى فضلِ مَن زَكَتْ نفسُهُ مِن الحسدِ، وهذا السَّببُ في تبشيرِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا الصَّحابيِّ الجليلِ بالجنَّةِ.

أن يَتمنَّى المسلمُ ما منَّ اللهُ به علَى أخيهِ مِن نعمةٍ مِن غيرِ تمنِّي زوالِهَا عنْهُ، وهذا يُعرَفُ بالغبطةِ، ولعلَّهُ يندرجُ تحتَ بابِ المنافسةِ، قالَ تَعالَى: {وَفِي ذلِكِ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26] .

وهذا النَّوعُ مِن الحسدِ مشروعٌ، قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لاَ حَسَدَ إلاَّ في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتاهُ اللهُ القرآنَ فهو يتلُوهُ آناءَ الليلِ وآناءَ النَّهارِ، ورجلٍ آتاهُ اللهُ مالاً فهو يُنفقُهُ آناءَ الليلِ وآناءَ النَّهارِ ) ) (1) .

قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَلاَ تَنَاجَشُوا ) )، ذهبَ جمعٌ مَن أهلِ العلمِ إلَى تفسيرِهِ بالنَّجشِ في البيعِ، وهو: أن تُعرضَ السِّلعةُ في السُّوقِ فيزيدُ في سعرِهَا مَن لا يُريدُ شراءَهَا، وإنَّمَا قَصدَ بذلك نفعَ البائعِ وضرَّ المشترِي بزيادةِ الثَّمنِ، وهذا حرامٌ.

ثَبَتَ في (الصَّحيحين) : (( أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّجشِ ) ).

وقالَ ابنُ أبي أَوْفَى: النَّاجِشُ: آكلُ ربًا خائنٌ.

وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: أَجْمَعُوا علَى أنَّ فاعلَهُ عاصٍ للهِ.

واخْتَلَفُوا في حكمِ البيعِ، فمنهُمْ: مَن قالَ بفسادِهِ.

ومنهم: مَنْ قالَ بصحَّةِ البيعِ، وهذا ما عليهِ أكثرُ الفقهاءِ، كأبي حنيفةَ، ومالكٍ، والشَّافعيِّ، وأحمدَ في روايَةٍ عنه.

-ومِن الفقهاءِ مَن فسَّرَ النَّجشَ بأعمَّ مِن ذلك؛ لأنَّ أصلَ النَّجشِ إثارةُ الشَّيءِ بالمكرِ والحيلةِ والمخادَعَةِ، ولهذا سُمِّيَ النَّاجشُ في البيعِ بهذا، وكما يُسَمَّى الصَّيَّادُ باللغةِ ناجشًا لأنَّهُ يَصيدُ بحيلةٍ وخِداعٍ.

(1) البخاري كتاب التوحيد (8/ 209) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت