فهرس الكتاب
5 -إجلالُ اللهِ وإعظامُهُ ومحبَّتُهُ.
اللهُ عزَّ وجلَّ أهلُ التَّقوَى وأهلٌ أنْ يُطَاعَ ويعظَّمَ، وذلك بإقامةِ أوامرِهِ بينَ العبادِ، والنَّهيِ مِن الوقوعِ في حدودِهِ؛ لأنَّ الواقعَ في المنكرِ مجترئٌ علَى ربِّهِ عزَّ وجلَّ، فيجبُ علَى المسلمينَ أن يفدُوا اللهَ بالغالي والنَّفيسِ لإقامةِ أمرِهِ في النَّاسِ، كما فعلَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد أوذِيَ في سبيلِ اللهِ ولم يُؤْذَ أحدٌ مثلَ أذاهُ، وهكذا ضحَّى أنبياءُ اللهِ السَّابقينَ.
عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ قالَ: كأنِّي أنظرُ إلَى رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحكي نبيًّا مَن الأنبياءِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِ، ضربَهُ قومُهُ فأَدْمَوْهُ وهو يَمسحُ الدَّمَ عن وجهِهِ ويقولُ: (( اللهمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) ) (1) .
قالَ تَعالَى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125] ، ومِن الحكمةِ مراعاةُ حالِ المأمورِ، ففي بعضِ الأحيانِ لا بدَّ مِن اللينِ والمداراةِ والرِّفقِ، كما قالَ تَعالَى: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43 - 44] ، وفي بعضِ الأحيانِ لا بدَّ مَن الغلظةِ والقسوةِ، كما قالَ تَعالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73] ، وقالَ تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94] .
لذلكَ يَجِبُ علَى مَن يتصدَّى لهذهِ المهمَّةِ أن يلمَّ بصفاتٍ معيَّنَةٍ، كما قالَ سفيانُ الثَّوريُّ: (لا يأمرُ بالمعروفِ ولا ينهَى عن المنكرِ إلاَّ مَن كانَ فيهِ ثلاثُ خصالٍ: رَفِيقٌ بما يأمرُ رفيقٌ بما ينهَى، عدلٌ بما يأمرُ وعدلٌ بما يَنهَى، عالمٌ بما يأمرُ عالمٌ بما ينهَى) .
(1) البخاري كتاب الأنبياء (4/ 148) وشرح مسلم كتاب الجهاد (4/ 434) واللفظ للبخاري