ممَّا هُو معروفٌ، أنَّ كثيرًا مِنَ النَّاسِ انْحَرَفَ فِي فَهْمِ الإيمانِ بالقَدَرِ عمَّا كَانَ عَلَيْهِ سلفُ الأمَّةِ، ويَرْجِعُ ذَلِك لأمورٍ:
مِنْهَا:
1 -استغلَّ أعداءُ الإِسْلامِ الحاقدونَ القَدَرَ فِي إضلالِ النَّاسِ، حَيْثُ وَجَدُوا فِي نُصوصِهِ مَنْفَذًا لإضلالِ المسلمينَ، وإلقاءِ الشُّبُهاتِ عَلَيْهِم، وضَرْبِ نصوصِهِ بعضِها بِبَعْضٍ، فَتَأَثَّرَ كثيرٌ مِن المسلمينَ بهؤلاءِ، وضَلُّوا عَن الفَهْمِ السَّويِّ فِي هَذَا الرُّكنِ.
فمنهُمْ:
مَن وَصَفَ اللَّهَ بالظُّلمِ والعَبَثِ.
ومنهم:
مَنْ فَوَّضَ فَهْمَ النُّصوصِ الَّتي وَرَدَتْ كَمَا فَوَّضَ فَهْمَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعةِ فِي أوائلِ السُّوَرِ.
ومعلومٌ أنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا بِتَدَبُّرِهَا، وَلَم يَقْفِلِ البَابَ فِيهَا، وَلَو شاءَ لفَعَلَ، كَمَا قَالَ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] .
2 -الفَهْمُ القاصرُ لنصوصِ القَدَرِ، فمنهُمْ مَنْ يَخْلُصُ بفهمٍ عامٍّ مِن نصٍّ يَتَكلَّمُ عَن جزئيَّةٍ مِن الموضوعِ، كَمَا فَهِمَ البعضُ مِن قولِهِ: {فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [فاطر: 8] ، بأنَّ المشيئَةَ كلَّها لِلَّهِ، وأنَّ الْعَبْدَ لا مَشيئةَ لَهُ، بَلْ هُو مَجبورٌ عَلَى فِعْلِهِ، وَهَذَا الفَهْمُ ناتجٌ مِنَ الفَهْمِ الْجُزْئِيِّ لنصوصِ القَدَرِ، وعَدَمِ النَّظرةِ الشُّموليَّةِ للنُّصوصِ.
3 -تشابُكُ النُّصوصِ فِي هَذِه القضيَّةِ فِي أمورٍ كَثِيرَةٍ، مِثْلُ التَّشابُكِ بَيْنَ السَّببِ والنَّتيجةِ، وبيْنَ إِرَادَةِ اللَّهِ جلَّ وَعَلا، وإرادةِ العَبْدِ، هَذَا التَّشابُكُ أَوْقَعَ الكثيرَ فِي اللَّبْسِ والْحَيْرَةِ.
4 -تَقْدِيمُ البعضِ أفهامَهُم القاصرةَ الْمُتَأَثِّرَةَ بِمَا دَسَّهُ الحاقدونَ عَلَى الإِسْلامِ عَلَى أَفهامِ سَلَفِ الأُمَّةِ، الَّذينَ زكَّاهُم رَبُّنا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتابِهِ،