فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 364

مِثْلُ: ما قالَ النَّوويُّ: الهديَّةُ إذا جَاءَتْكَ مِنْ شخصٍ غالبُ مالِهِ حرامٌ، وتردَّدَت النَّفسُ في حِلِّهَا، وأَفْتَاكَ المُفْتِي بحِلِّ الأكلِ، فإنَّ الفتوى لا تُزيلُ الشُّبْهَةَ.

وكذلكَ إذا أَخْبَرَتْهُ امرأةٌ بأنَّهُ ارْتَضَعَ معَ فُلانةٍ، فإنَّ المُفْتِيَ إذا أَفْتَاهُ بجوازِ نِكاحِهَا لعدمِ استكمالِ النِّصابِ، لا تكونُ الفتوى مُزيلةً للشُّبهةِ، بلْ يَنْبَغِي الوَرَعُ وإنْ أَفْتَاهُ النَّاسُ (1) .

أمَّا إذا كانتْ فتوى المفتِي تَستندُ إلى دليلٍ شرعيٍّ، فيَجبُ على المرءِ أنْ يَتقيَّدَ بها وإنْ لمْ يَطمئِنَّ قلبُهُ. مثالُ ذلكَ: الرُّخصةُ بالفِطرِ في السَّفرِ والمرضِ، وقَصْرِ الصَّلاةِ، ونَحْوِ ذلكَ ممَّا قدْ لا ينشرحُ لهُ الصَّدرُ. ثَبَتَ أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أصحابَهُ بفَسْخِ الحجِّ إلى عُمرةٍ، ولمْ تَنشرحْ صدورُهُم إلى ذلكَ، وكَرِهَ بعضُهُمْ ذلكَ. وكذلكَ أمرَهُمْ بنحرِ الْهَدْيِ والتَّحلُّلِ مِنْ عُمرةِ الحُدَيْبِيَةِ، وبعضُهُم كرِهَ ذلكَ.

والْخُلاصةُ ما وَرَدَ بهِ نصٌّ شرعيٌّ يَجِبُ الانقيادُ لهُ، سواءٌ كَرِهَتْهُ النَّفسُ واضْطَرَبَ القلبُ بهِ أمْ لا. قالَ تَعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .

قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ) ، بمعنى: حُسْنُ الخلقِ أعظمُ خِصالِ الْبِرِّ. كمَا قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الْحَجُّ عَرَفَةُ ) ) (2) ، بمعنى: رُكْنُهُ العظيمُ الَّذي لا يَتِمُّ إلاَّ بهِ.

والمقصودُ بالأخلاقِ جميعُ ما دعَا لهُ القرآنُ مِنْ فضائلَ؛

(1) الوافي في شرح الأربعين النووية 195.

(2) انظر صحيح الجامع [3167] ، والإرواء [1064] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت