فهرس الكتاب
أخرجَ ابنُ سعدٍ، عن أنيسةَ قالَتْ: كنَّ - جواري الحيِّ - يأتينَ بغنمِهِنَّ إلَى أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِي اللهُ عَنْهُ فيقولُ لهنَّ: أتُحِبُّونَ أحلبُ لكُنَّ حلبَ ابنِ عفراءَ - وكان رجلاً تاجرًا - فكانَ يغدُو كلَّ يومٍ للسُّوقِ فيبيعُ ويَبتاعُ، وكانت له قُطعةُ غنمٍ تَروحُ عليهِ وربَّما خَرَجَ هو بنفسِهِ فيها، وربَّمَا كُفِيَها فرُعِيَتْ له، وكانَ يَحْلِبُ للحيِّ أغنامَهُم لَمَّا بويعَ له بالخلافةِ، فقالَتْ جاريَةٌ مِن الحيِّ: الآنَ لا تُحْلَبُ لنا مَنَائِحُ دارِنَا، فسَمِعَهَا أبو بكرٍ فقالَ: بلَى، لعَمْرِي لأحلِبَنَّها لكم، وإنِّي لأرجو أن لا يُغيِّرَنِي ما دخلتُ فيهِ عن خُلُقٍ كنْتُ عليهِ، فكانَ يَحْلِبُ لهُمْ (1) .
عن الأوزاعيِّ، أنَّ عمرَ خرجَ في سوادِ الليلِ فرآهُ طلحةُ رَضِي اللهُ عَنْهُ، فذهبَ عمرُ فدخلَ بيتًا، ثمَّ دخلَ بيتًا آخرَ، فلمَّا أصبحَ طلحةُ ذهبَ إلَى ذلك البيتِ، وإذا بعجوزٍ عمياءَ مقعدةٍ فقالَ لها: ما بالُ هذا الرَّجلِ يأتيكِ؟! قالَتْ: إنَّهُ يَتعاهدُنِي منذُ كذا وكذا؛ يأتِيني بما يُصلِحُني ويُخرجُ عنِّي الأذَى، فقالَ طلحةُ: ثكلَتْكَ أمُّكَ يا طلحةُ، أعثراتُ عمرَ تتَبَّعُ؟ (2) .
وقالَ مجاهِدٌ رحمَهُ اللهُ تعالَى: صحبْتُ ابنَ عمرَ رَضِي اللهُ عَنْهُ في السَّفَرِ لأَخْدُمَهُ فكانَ يَخْدُمُنِي (3) .
قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ) )، قدْ يكونُ المرادُ السُّلوكُ الحقيقيُّ للطَّريقِ، وهو المشيُ بما هيَّأَ اللهُ لنا مِن وسائلَ إلَى مجالسِ العلماءِ، وقدْ يكونُ سلوكُ الطَّريقِ المعنويِّ المؤدِّي لحصولِ العلمِ، مثلُ: حفظِهِ، ومدارسَتِهِ، ومذاكرتِهِ، ومطالعتِهِ، وكتابتِهِ، والتَّفهُّمِ له، ونحوِ ذلك مِن الطُّرقِ، أمَّا قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ) )، فقد يُرادُ به تسهيلُ حصولِهِ علَى العلمِ الَّذِي هو طريقُ الجنَّةِ، أو يُسَهِّلُ له - إذا ابتغَى بهِ وجهَ اللهِ -
(1) حياة الصحابة (3/ 168) .
(2) كتاب مناقب عمر لابن الجوزي، ص 68.
(3) جامع العلوم والحكم، ص 322.