فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 364

ثمَّ بعدَ ذلكَ يصدرُ الحكمُ؛ لأنَّ هناك أمورًا لا تترتَّبُ علَى المخطِئِ فيها أحكامٌ.

مثلُ: مَن شربَ خمرًا ظانًّا أنَّها شرابٌ غيرُ مسْكِرٍ، فهذا لا حدَّ عليهِ ولا تعزيرَ، إلَى غيرِهَا مِن المسائلِ الكثيرةِ الَّتِي علَى هذا المنوالِ.

وهناك أمورٌ تترتَّبُ عليها أحكامٌ:

مثلُ: ما ذكرْنَا في قتلِ الخطأِ.

ومثلُ: لو أتلفَ مالَ غيرِهِ بالخطأ فهو ضامنٌ لِمَا أتلفَ، إلَى غيرِهَا مِن المسائلِ الكثيرةِ.

-النِّسيانُ: ضدُّ الذِّكرِ والحفظِ، وهو أن يكونَ ذاكرًا لشيءٍ فينساهُ عندَ الفعلِ.

والنَّاسِي رفعَ اللهُ عنه كذلك الحرجَ والمؤاخذةَ والإثمَ.

وممَّا يشهدُ للحديثِ قولُهُ جلَّ وعلا: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] .

-رفعُ الإثمِ والحرجِ عن النَّاسِي لا ينافي أن يترتَّبَ علَى النِّسيانِ حكمٌ، فمثلا مَن صلَّى دونَ وضوءٍ فلا بدَّ مِن الإعادةِ، ومَن تركَ الصَّلاةَ المكتوبةَ نسيانًا حتَّى خرجَ وقتُهَا فيجبُ عليهِ أن يصلِّيَهَا إذا ذكَرَ، وذلك لقولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ لاَ كَفَّارَةَ لَهَا إِلاَّ ذَلِكَ ) )، {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي} [طه: 14] (1) .

وهناك خِلافٌ بينَ العلماءِ في كثيرٍ مِن القضايا فيما يَترتَّبُ علَى النَّاسِي مِن أحكامٍ فمنهُمْ: مِن يثبُتُ عليهِ حكمٌ.

ومنهم: مِن لا يثبُتُ.

والفصلُ في هذا هو: الدَّليلُ، فإذا صحَّ الدَّليلُ في إثباتِ حكمٍ قلْنَا به، وإذا لم يوجَدْ توقَّفْنَا.

فمثلاً: مالكٌ رحمَهُ اللهُ يرَى أنَّ مَن أكَلَ ناسيًا في رمضانَ عليهِ الإعادةُ، ورسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: (( مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَلاَ يُفْطِرْ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللهُ ) ) (2) ، فهنا نقولُ بأنَّهُ لا حكمَ علَى النَّاسِي، وصومُهُ صحيحٌ وذلك لثُبوتِ النَّصِّ، وإمامُ دارِ الهجرةِ مَعذورٌ في ذلك لأنَّهُ مُجتَهِدٌ وله أجرٌ علَى اجتهادِهِ، ولعلَّ الدَّليلَ لم يَصِلْ إليهِ.

(1) رواه البخاري كتاب مواقيت الصلاة (1/ 147) ، وانظر شرح مسلم للنووي كتاب المساجد (2/ 326) .

(2) انظر صحيح الجامع [5958] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت