فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 364

يُخطِئُ كثيرٌ مَن المسلمينَ في فهم هذه الآيَةِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] ، فيُبرِّرونَ عجزَهُم وتقصيرَهُم في إنكارِ المنكرِ بها، ولقدَ قوَّمَ الصِّدِّيقُ -رَضِي اللهُ عَنْهُ - فهْمَ هؤلاءِ حيثُ قالَ: (يا أيُّها النَّاسُ، إنَّكُم تقرءونَ هذه الآيَةَ وتضعونَهَا علَى غيرِ مواضعِهَا، {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتَمْ} ، وإنَّا سمعْنَا النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ:(( إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ ) ) (1) .

وقالَ النَّوويُّ: الْمَذهبُ الصَّحيحُ عندَ المحقِّقينَ في معنَى الآيَةِ: (إنَّكم إذا فعلتُمْ ما كُلِّفْتُم به فلا يضرُّكُمْ تقصيرُ غيرِكُمْ) ، مثلُ قولِهِ: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] .

وإذا كانَ كذلِكَ: فممَّا كُلِّفَ به الأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المنكرِ، فإذا فعلَهُ ولم يمتثلِ المخاطَبُ فلا عتبَ بعدَ ذلك علَى الفاعِلِ، لكونِهِ أدَّى ما عليهِ، فإنَّمَا عليهِ الأمرُ والنَّهيُ لا القبولُ، واللهُ أعلمُ (2) .

قولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا ) )

يدلُّ الحديثُ أنَّ المنكَرَ الَّذي أُمِرْنَا بإنكارِهِ ما كانَ معلومًا ظاهرًا، وليسَ للآمرِ البحثُ والتَّفتيشُ والتَّجسُّسُ وتَسَوُّرُ جدرانِ البيوتِ واقتحامُهَا بحجَّةِ البحثِ عن المنكَرِ، لذلك أنكرَ العلماءُ مثلَ هذا، مثلُ سفيانَ الثَّوريِّ وغيرِهِ.

المنكَرُ الَّذي يجبُ علينا إزالتُهُ ما كان مجمَعًا عليهِ بينَ المسلمينَ علَى أنَّهُ منكَرٌ، مثلُ: الرِّبا، والزِّنَا، وشربِ الخمرِ، والتَّبَرُّجِ، وتركِ الصَّلاةِ، وغيرِهَا.

(1) رواه أبو داود، انظر صحيح الجامع [1969] .

(2) الوافي في شرح الأربعين النووية، ص 257.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت