فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 364

قالَ عِيَاضٌ وغيرُهُ: (والحياءُ الَّذي ينشأُ عنهُ الإخلالُ بالحقوقِ ليسَ حياءً شرعيًّا، بلْ هوَ عَجْزٌ ومَهانةٌ، وإنَّما يُطْلَقُ عليهِ حياءٌ؛ لِمُشَابَهَتِهِ للحياءِ الشَّرعيِّ) (1) فالحياءُ الَّذي يُؤَدِّي بصاحبِهِ إلى التَّقصيرِ في حقوقِ اللهِ، فيعبدُ اللهَ على جهلٍ، ولا يَسألُ عنْ دينِهِ، ويُقَصِّرُ في القيامِ بحقوقِهِ، وحقوقِ مَنْ يَعولُ، وحقوقِ المسلمينَ، فهذا الحياءُ مذمومٌ؛ لأنَّهُ ضَعْفٌ وخَوَرٌ.

قالَ تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يَصْدُرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص: 23] . رأى موسى عليهِ السَّلامُ هاتَيْنِ البنتَيْنِ وهما على مُسْتَوًى سَامٍ مِن الخُلُقِ القويمِ، فَهُنَّ لا يُزَاحِمْنَ الرِّجالَ، ويُكَفْكِفْنَ غنمَهُمَا أنْ تَرِدَ معَ غنمِ الرِّعاءِ؛ لِئَلاَّ يُؤْذَيَا.

كما فيهِ دَلالةٌ على أنَّ هاتَيْنِ الفتاتَيْنِ خَرَجَتَا مِنْ بيتٍ ربَّاهما فأَحْسَنَ تربيتَهُمَا، بيتٍ عظيمٍ يُعظِّمُ العِفَّةَ والحياءَ.

وعندَما استفسرَ موسى عنْ وضعِهِمَا بيَّنَتَا لهُ سببَ خروجِهِمَا، وهوَ كِبَرُ سنِّ والدِهمَا، وهذا هوَ سببُ الخروجِ مِن الْخِدْرِ.

فقامَ موسى عليهِ السَّلامُ بالواجبِ وسقَى لهُمَا.

ثمَّ تابعَ القرآنُ القصَّةَ: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص: 25] بَيَّن لنا القرآنُ ما يَنْبَغِي أنْ تكونَ عليهِ المرأةُ مِنْ خُلُقٍ وحياءٍ، فوَصَفَ لنا مِشْيَةَ هذهِ الْحُرَّةِ الشَّريفةِ؛ مِشيَةً عُنْوَانُهَا الحياءُ والنَّقاءُ والطُّهرُ.

قالَ أميرُ المؤمنينَ عُمَرُ: (كَانَتْ مُتَسَتِّرَةً بِكُمِّ دِرْعِهَا) (2) .

(1) الفتح (13/ 138) .

(2) تفسير ابن كثير (7/ 238) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت