فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 364

قولُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ ) )والقِتلَةُ وَالذِّبْحَةُ بالكسرِ؛ أي: الهَيْئَةُ.

والمعنى: وأَحْسِنُوا هَيْئَةَ الذَّبحِ وهَيْئَةَ القتلِ.

والحديثُ يَدلُّ على الإسراعِ في إزهاقِ النُّفوسِ الَّتي يُباحُ إِزْهَاقُهَا على أسْهَلِ الوُجوهِ، وأسهلُ وُجوهِ قَتْلِ الآدميِّ ضربُهُ بالسَّيفِ على العُنُقِ.

ومِن الإحسانِ كذلكَ:

عَدَمُ الْمُثْلَةِ بالمقتولِ ابتداءً، عنْ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَنَّهُ نَهَى عَن النُّهْبَةِ وَالْمُثْلَةِ ) ) (1) .

ولكنْ إذا مُثِّلَ بالمقتولِ، هلْ يُمثَّلُ بالقاتلِ أثناءَ القِصَاصِ؟

الَّذي يَظهرُ -واللهُ أعلمُ- أنَّهُ يُمَثَّلُ بهِ إنْ طَلَبَ ذلكَ أولياءُ الْمَقتولِ، وهذا قولُ مالكٍ والشَّافعيِّ والمشهورُ عنْ أحمدَ.

قالَ ابنُ حَزْمٍ في كتابِهِ القيِّمِ (المُحَلَّى) : (مَنْ قتلَ مُؤمنًا عَمْدًا في دارِ الإسلامِ أوْ في دارِ الحربِ، وهوَ يَدْرِي أنَّهُ مسلمٌ، فَوَلِيُّ المقتولِ مُخَيَّرٌ؛ إنْ شاءَ قتلَهُ بِمِثْلِ ما قَتَلَ هُوَ بهِ وَلِيَّهُ مِنْ ضَرْبٍ، أوْ رَمْيٍ، أوْ صَبٍّ منْ حَالِقٍ، أوْ تَحريقٍ، أوْ تَغريقٍ، أوْ شَدْخٍ، أوْ إجاعةٍ أوْ تَعطيشٍ، أوْ خَنْقٍ، أوْ سُمٍّ، أوْ وَطْءِ فَرَسٍ، أوْ غيرِ ذلكَ) . اهـ (2)

ثمَّ ساقَ الأدلَّةَ الصَّحيحَةَ الصَّريحَةَ على ما ذَهَبَ إليهِ، أَذْكُرُ منها:

-عنْ أَنَسٍ قالَ: (خَرَجَتْ جاريَةٌ علَيْها أَوْضَاحٌ بالمدينةِ، فرماهَا يَهُودِيٌّ بحَجَرٍ؛ فَجِيءَ بها إلى رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبها رَمَقٌ، فقالَ لها رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( فُلاَنٌ قَتَلَكِ؟ ) )

فرَفَعَتْ رَأْسَهَا، فقالَ لها في الثَّالثَةِ:

(( فُلاَنٌ قَتَلَكِ؟ ) )

فخَفَضَتْ رَأْسَهَا، فدعَا بهِ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَخَ رَأْسَهُ بينَ حَجَرَيْنِ) (3) .

وقالَ ابنُ حَزْمٍ رَادًّا على مَن اسْتَدَلَّ بحديثِ: (( فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ ) ): (غايَةُ الإحسانِ في القِتْلَةِ هوَ أنْ يَقْتُلَهُ بِمِثْلِ ما قَتَلَ هوَ، وهذا عَيْنُ العَدْلِ والإنصافِ، {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة: 194] .

(1) رواه البخاري كتاب الذبائح والصيد (6/ 228) .

(2) المحلى (12/ 33) .

(3) رواه البخاري كتاب الديات (8/ 37) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت