فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 364

الفصاحةُ في المواعظِ مطلوبةٌ، قالَ تعالَى:

{وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا} [النساء: 63] ، كما وصفَ الصَّحابةُ مواعظَ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً) (1) .

فعلَى الواعظِ أن يُوَصِّلَ ما لديهِ مِن معانٍ إلَى السَّامعينَ بأحسنِ صورةٍ مِن الألفاظِ الدَّالةِ عليها، وأفضلِهَا، وأجملِهَا لدَى الأسماعِ، وأوقعِهَا في القلوبِ.

ج - اختيارُ الوقتِ والفرصةِ المناسبةِ، بحيثُ يكونُ المستمعُ متفرِّغًا، صافيَ الذِّهنِ، غيرَ مشغولٍ بحاجاتِهِ، والموعظةُ في هذا الحديثِ الَّتي يَتَحدَّثُ عنها الْعِرْبَاضُ كانت بعدَ صلاةِ الفجرِ، وفي هذا الوقتِ يكونُ العبدُ في قمَّةِ نشاطِهِ صافيَ الذِّهنِ.

روَى الشَّيخانِ عن أبي وائلٍ قالَ: كانَ عبدُ اللهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ في كلِّ خميسٍ فقالَ له رجلٌ: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، لَوَدِدْتُ أنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كلَّ يومٍ، قالَ: أمَا إنَّهُ يَمْنَعُنِي مِن ذَلِكَ أنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا (2) .

عن أبي وائلٍ قالَ: خطبَنَا عمَّارٌ رَضِي اللهُ عَنْهُ فأوجَزَ وأبلغَ، فلمَّا نزلَ قلْنَا: يا أبا اليَقظَانِ، لقد أبلغْتَ وأوجزْتَ، فلو كنْتَ تَنَفَّسْتَ، فقالَ: إنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: (( إِنَّ طُولَ صَلاَةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلاَةَ، وَأَقصِرُوا الْخَطابةَ، فإنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا ) ) (3) ، فمِنْ هَدْيِ حبيبِ ربِّ العالمينَ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِ عدمُ التَّطويلِ؛ لأنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْمَلَلِ، والضجَرِ، وضياعِ الفائدةِ الْمَرْجُوَّةِ، وخيرُ الأمورِ الوَسَطُ، فلا تطويلٌ مُمِلٌّ، ولا قِصَرٌ مُخِلٌّ.

(1) رواه الترمذي وأحمد وأبو داود.

(2) البخاري كتاب العلم باب 12 (1/ 25) ، مختصر مسلم.

(3) شرح مسلم كتاب الجمعة (2/ 520) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت