فهرس الكتاب
قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ: (وفي الحديثِ الحضُّ علَى الخيرِ بالفعلِ، والتَّسبُّبُ إليهِ بكلِّ وجهٍ، والشَّفاعةُ إلَى الكبيرِ في كشفِ كربِ ومعونةِ الضعيفِ، إذ ليسَ كلُّ أحدٍ يَقدرُ علَى الوصولِ إلَى الرئيسِ، ولا التَّمكُّنِ منه ليَلِجَ عليهِ، أو يُوَضِّحَ له مُرادَهُ ليعرفَ حالَهُ علَى وَجْهِها، ولهذا فقدْ كانَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَحْتَجِبُ) .
هي ما كانَ فيها تعدٍّ علَى حقوقِ اللهِ أو عِبادهِ، فهذه شفاعةٌ مَذمومةٌ نَهَى اللهُ عنها، ويكونُ للشَّافعِ وِزرٌ في ذلك الأمرِ الَّذي يَترتَّبُ بسببِ سعيِهِ، قالَ تَباركَ وتعالَى: {وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} [النساء: 85] .
ومنها كذلك الشَّفاعةُ في الحدودِ عندما تصلُ إلَى الإمامِ، ويشهدُ لذلك حديثُ أسامةَ المشهورُ، عندَما شفعَ للمرأةِ المخزوميَّةِ الَّتي سرقَتْ، قالَ له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟! ) ) (1) ، أمَّا قبلَ انتهائِهَا إلَى الإمامِ فهي حَسنةٌ جميلةٌ، كما قالَ ابنُ عبدِ البرِّ.
الَّذي يَطَّلِعُ علَى سيرةِ سلفِ الأمَّةِ يجدُ تعاليمَ الإسلامِ السَّاميَةَ ظاهرةً وواضحةً في فعلِهِم وقولِهِم، فهم قدوةٌ صالحةٌ لغيرِهِمْ، ربطُوا العلمَ بالعملِ، فاهتدَى بسببِهِمْ خلقٌ كثيرٌ إلَى الإسلامِ، أمَّا واقعُ الأمَّةِ اليومَ - إلاَّ ما رحمَ ربُّكَ - فقد تحوَّلَتْ تعاليمُ السَّماءِ فيها إلَى مِدادٍ علَى ورقٍ، وكلامٍ مسجَّلٍ علَى أشرطةِ الكسيت، ومحاضراتٍ وخطبٍ أثرُهَا في الواقعِ ضئيلٌ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ باللهِ.
(1) البخاري كتاب الحدود باب 12 (8/ 16) .